مقالات عامة

الطير والشجرة

د. حسن مدن

صعبة وأزلية هي تلك المعادلة بين الشجرة والطير. الشجرة ثابتة في مكانها، والطير يتعلق بالشجرة، وبين أغصانها يبني عشه الذي إليه يأوي، كلما نال منه التعب. ولكن كثيراً ما يحدث أن يضيق الطير بالعش، ويرغب في الرحيل بعيداً، فيحمله جناحاه في تلك الرحلات البعيدة.
أذكر أن الراحل أحمد راشد ثاني قال مرة في إحدى المقابلات الصحفية التي أجريت معه، إنه يحلم بالسفر إلى أماكن لم يذهب إليها من قبل، أماكن لا يعرف فيها أحداً ولا يعرفه فيها أحد، أماكن غريبة عنه كليا، خصوصاً في الشرق الأقصى بآسيا، أو أمريكا اللاتينية، أو إفريقيا، سواحل إفريقيا من جهة زنجبار وما حولها.
في حدود علمي لم يفعل أحمد شيئاً من ذلك. باغته الموت قبل أن يفعل، لكننا نلمس في سير الكثير من كبار المبدعين تلك الرغبة الدفينة، أو المفصح عنها، في الرحيل بعيداً، في الهجرة، في البحث عن عوالم أخرى غير مألوفة.
المفارقة أن الرحيل كثيراً ما يحمل للطير المهاجر الشقاء. الرحيل يبعدنا عن الحضن الأول الذي رعانا، أي الوطن، وقد يحدث أن يصبح هذا الوطن عاقاً بأبنائه، فيجدون أنفسهم مكرهين على الرحيل عنه، ومكرهين أيضاً على تحمل عذابات المنافي وشقائها، لكن، حتى في الأوطان غير العاقة تجتاح المبدعين الرغبة في أن يذهبوا بعيداً.
من هؤلاء الشاعر بابلو نيرودا الذي انتابته، وهو لم يزل شاباً مثل تلك الرغبة في أن يغادر تشيلي. في طفولته، سهر الليالي في غرفته بالطابق العلوي من دار أهله وهو يحلق في عوالم السحر والغموض والأساطير التي كان يقرؤها في كتب المغامرين والمكتشفين، فتلبسته رغبة في أن يرى تلك العوالم البعيدة التي ذهب إليها المغامرون.
عبر أصدقاء له في وزارة الخارجية في بلده تمكّن من أن يبتعث كدبلوماسي. لم يكن أمامه من طريق آخر، فلم يكن لديه من المال ما يمكنه من تحقيق رغبته، التي أصبحت بعد نحو عامين من الانتظار في متناول يديه فغادر تشيلي مبتهجاً، فاتجه، أولاً، إلى الأرجنتين ومنها إلى البرازيل ومن هناك أبحر إلى لشبونة ومنها بالقطار إلى مدريد، قبل أن يحط في مرسيليا ليستقل الباخرة إلى الشرق الآسيوي.
قضى في ذلك الشرق خمسة أعوام قنصلاً في عدة بلدان، بينها سريلانكا وسنغافورة والهند. لقد رأى العالم الذي حلم به، لكن ليس الدهشة هي ما طغت عليه وهو يرى ما رأى، وإنما الخيبة من رؤية ذلك الشرق بحضاراته التي قرأ عنها غارقاً في الفقر والبؤس والخرافة، فانتابه شعور عميق بالوحدة والغربة والتمزق عبرّ عنه في ديوانه «بيت على الأرض» الذي بعث مسودته إلى صديقه رفائيل البرتي ملتمساً منه أن يجد له طريقاً للنشر في إسبانيا.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى