مقالات عامة

دورات زمنية قرائية

يوسف أبو لوز

بحسب موقع «جملون» لبيع الكتب على الإنترنت، شهد عام 2017 نسبة بيع في الروايات تراوح بين 20 إلى 30%، في حين سجلت كتب التنمية البشرية نسبة 40%، ولكن اللافت وبحسب إحصائيات الموقع أن كتب الفلسفة وصلت إلى 60%، بينما ارتفع مؤشر العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى 70%.
معاينة هذه النسب تؤشر بالضرورة إلى مزاج القارئ وخياراته الثقافية، والمصدر هنا موقع إلكتروني يضم أكثر من عشرة ملايين عنوان عربي وأجنبي.. لكن، لماذا الفلسفة، والعلوم الاجتماعية والإنسانية وهي عناوين يتداولها عادة قارئ متخصص؟
الإجابة اجتهادية بالطبع، ففي السنوات الأخيرة بدا واضحاً توجه عام إلى الفلسفة، كما لو يجري إعادة الاعتبار لهذا الحقل المعرفي الفكري بعد مرحلة كان واضحاً خلالها انصراف القارئ عن هذا الحقل.
هناك دائماً ما يشبه الدورات الزمنية للقراءة وراءها دائماً القارئ بالدرجة الأولى، فالقارئ الرومانسي أو قارئ الرومانسيات في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين هو من صنع الدورة القرائية تلك، ثم، هناك قارئ الكلاسيكيات الروائية الذي يصنع عادة دورات قرائية طويلة، فحتى اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين لم تخذل الرواية الكلاسيكية ويجري العودة إليها، عادة، بشيء من الحنين إلى أزمان ماثلة في الذاكرة الإنسانية تسمى في الغالب الأزمان الذهبية، أو «الزمن الجميل».
في بداية ثمانينات القرن العشرين كان نجم الكاتب الإنجليزي كولن ويلسون: «المنتمي» و«اللا منتمي» من كتبه على سبيل المثال، وبالطبع، يعرف القارئ المحترف أكثر مني الدورة الزمنية التي ازدهرت فيها القراءات الوجودية «سارتر، كيركيجارد» وغيرهما من فلاسفة الغرب.
تراجعت الموجة الوجودية الفلسفية (فكراً ورواية) بعد تسعينات القرن العشرين، وأقصد بالتراجع هنا من حيث القراءة وليس من حيث الإنتاج الفلسفي، وكأن القارئ يتأثر بمحيطه السياسي في الغالب عندما يكون أمام خياراته في اختيار الكتب.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أو تفككه في عام 1991.. انهار معه قارئ الفكر والإيديولوجيا الموجهة كنوع من خيبة الأمل.. انهار «كتاب ضخم» مثل «رأس المال»، ولم تعد فلسفة كارل ماركس صالحة للقراءة في ظل كيان عقائدي ينهار ويتفكك.. لكن ظلت الرواية والشعر الروسي موضع شغف القارئ، ولو مرة ثانية، من باب الحنين.
أما لماذا العلوم الاجتماعية والإنسانية؟.. فربما يعود ذلك إلى محاولة القارئ إرجاع ظواهر مثل العنف والإرهاب وصعود ظواهر أخرى مثل التمييز والعنصرية والمذهبية والطائفية إلى أصولها الاجتماعية والنفسية والتربوية.. خصوصاً أن بلداناً كثيرة في العالم تسبح أو تطفو فوق سطوح هذه الظواهر التي تحتاج فعلاً إلى فرقة من علماء الاجتماع وعلماء النفس أمام قارئ لا يكف عن التساؤلات المربكة في دورة زمنية قرائية جديدة.

yabolouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى