مقالات عامة

التخصص ومعرفة تقديم الأفضل

بيير بنتاتا *

أمام الهيمنة الكلية للخطابات المتداعية يذكّرنا الخبير الاقتصادي الفرنسي بيير بنتاتا، في كتابه «خيبات أمل الحرية»، أو «التحرر من وهم الحرية»، فيقول إن هذا العصر متهم بجميع الشرور، فالكثيرون يرون فيه تكريساً لنظام اقتصادي عنيف لا يستفيد منه سوى أقلية فقط، أما التنمية والرفاهية التي يفترض أن يتمتع بها هؤلاء فتتم التضحية بها على مذبح الأرباح، واستهلاكية الجماهير. ويعتقد بنتاتا أن البشرية لم تشهد أبداً مثل هذا الازدهار الذي تشهده الآن كما أن التطور التقني يتسارع بوتيرة مخيفة.
وقبل المضي قدماً، ينبغي أنه نعلم أننا في بحبوحة ثقافية مهمة، وهذا يعني الكثير، فقبل قرنين من الزمن، لم يكن نصفنا قادراً على التمتع بميزة القراءة، والفهم لأن الناس كانوا مشغولين بالبحث عما يسد جوعهم بسبب الفقر، بل إن 10% من الناس كانوا يمارسون التسول في الشارع لسد رمقهم. لقد كانت نسبة التعليم تبلغ قريباً شخصاً واحداً من أصل خمسة أشخاص، وربما أكثر في بعض الدول. أما اليوم، فقد تغيرت الأمور كثيراً فأقل من شخص من 100 شخص ربما لا يستطيع القراءة أو الكتابة. فضلاً عن ذلك بات لدينا جميعا المزيد من الوقت لممارسة هواياتنا، لأننا نعمل في المتوسط 1480 ساعة في السنة بدلاً من 3000 ساعة في العام 1830. فنحن نعمل أقل ولو بدا لنا ذلك مؤلماً، إلا أننا اصبحنا أفضل تعليماً، وهو شرط مهم للتفكير في أنفسنا. لقد اصبح بعضنا غنياً بما فيه الكفاية إلى درجة انه بات يفقد المال الذي كسبه بكدّ وتعب بشكل سهل، من أجل تمضية أوقات الفراغ في اللهو والاستمتاع. وربما يكفي ذلك لإقناعنا بأن الحياة من قبل لم تكن أفضل. وإذا استطعنا القول إننا نعيش أكثر العصور ثراء، فعلينا أن نعلم أن ذلك ليس بسبب تحسن ظروف حياتنا بشكل خاص، بل لأن العالم ككل يسير نحو الرفاهية الأفضل أكثر من أي وقت مضى، وربما ينطبق ذلك على الأشخاص الأكثر غنى، والأكثر فقراً، في آن، فنحن منغمسون في زمن يمثل من الناحية المادية، معجزة حقيقية لا أحد كان يمكنه أن يتنبأ بها قبل مئتي سنة.
ولنتوقف برهة عند المجال الاقتصادي، فالزيادة المتزامنة في الثروة الفردية والسكانية أصبحت تسمى «ازدهاراً». وسببها الرئيسي يرجع إلى الانقلاب التكنولوجي، أو المؤسسي الكبير، وهو ما يسميه خبراء الاقتصاد «الابتكار».
هذا التطور المهم بدأ قبل قرنين، وهو لا يتوقف عن التسارع. وإنه لأمر ثابت في التاريخ الاقتصادي، أن الأماكن الأكثر ازدهاراً كانت دائماً مفتوحة على العالم.

* خبير اقتصادي فرنسي ومحلل في مجلة الإكسبرس الفرنسية

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى