مقالات عامة

«البَلْدُوزَر» الإفريقي!

كمال الجزولي

عندما يلقِّب شعب إفريقي رئيسه بـ«البلدوزر»، فإن أوَّل ما يتبادر إلى ذهنك، ولا بُدَّ، هو أن هذا اللقب ينصبُّ، بشكل غير مباشر، على الدَّلالة المعنويَّة لصلابة هذا الرَّئيس، وطاقته الخارقة على اكتساح المشاكل، مهما عظمت، واجتراح الحلول لها، بالغاً ما بلغت من الصُّعوبة والتَّعقيد. لكن حين يباغتك مشهد هذا الرَّئيس المنتخب للتَّو، وقد ألغى حفل تنصيبه، وتقدَّم مواطنيه، وهو في بنطال جينز، ليجمع القمامة، بمِجرفة في يده، من أحد شوارع عاصمته، توفيراً لتكاليف نظافتها في ميزانيَّة بلاده الفقيرة، واستنهاضاً لقيم التَّطوُّع من أعماق نفوس أبناء شعبه الكبيرة، فإن اللقب ربَّما يتجاوز، عندئذٍ، محض دلالته «المعنويَّة»، لينفذ إلى دلالة «مادِّيَّة» مباشرة!
النموذج الاستثنائي الحيُّ لغرابة هذه الحالة، في احتمالها الثَّاني، وفرادتها، في مرآة السَّائد في بلدان القارَّة من حكَّام فاسدين بفعل التَّشبُّه بالمستعمر، هو، بلا منازع، الرَّئيس التَّنزاني جون بومبيه ماغوفولي (1959 …)، المنتخب في 2015. وأمَّا تمجيد ذكره، بوجه عام، فهو تمجيد، في الواقع، لقيم إفريقيَّة متوارثة شعبيَّاً، وتتَّسم بالرِّفعة والنُّبل، ولم تستطع طمسها كلُّ الملوِّثات الاستعماريَّة، برغم نجاح هذه الملوِّثات، للأسف، في إنتاج أنظمة حكم تابعة، وصناعة زعماء، وقادة، وحكَّام فاسدين، في بلدان تعاني شعوبها الفقر، والفاقة، والتَّخلف. وفي رواية «موسم الهجرة إلى الشَّمال»، للطيِّب صالح، وصفهم الرَّاوي، وقد التقى بهم في مؤتمر إفريقي عن التَّعليم، بأنَّهم «مُلس الوجوه، أفواههم كأفواه الذِّئاب، تلمع في أيديهم ختم الحجارة الثَّمينة، وتفوح نواصيهم برائحة العطر، في أزياء.. من الموهير الفاخر، والحرير الغالي، تنزلق على أكتافهم كجلود القطط السِّياميَّة، والأحذية تعكس أضواء الشَّمعدانات.. تدارسوا.. مصير التَّعليم.. في قاعة.. كلفت أكثر من مليون جنيه، من الحجر، والأسمنت، والرِّخام، والزُّجاج.. وُضع تصميمها في لندن.. أرضيَّتها مفروشة بسجاجيد عجميَّة فاخرة، وقبَّة السَّقف مطليَّة بماء الذَّهب.. والمنصَّة.. من رخام أحمر.. وسطحها أملس لمَّاع من خشب الأبنوس.. الوزير الذي قال في خطابه الضَّافي: (يجب ألا يحدث تناقض بين ما يتعلمه التِّلميذ.. وبين واقع الشَّعب، كلُّ من يتعلم يريد أن يجلس على مكتب وثير.. ويسكن في بيت محاط بحديقة.. يروح ويجيء في سيارة أمريكيَّة.. إذا لم نجتثَّ هذا الدَّاء.. تكوَّنت طبقة برجوازيَّة.. أشدُّ خطراً على مستقبل إفريقيا من الاستعمار نفسه).. هذا الرجل يهرب أشهر الصَّيف إلى فيلته على بحيرة لوكارنو، وزوجته تشتري حاجياتها من هارودز في لندن، تجيئها في طائرة خاصَّة»!
ومن الأمثلة الملموسة التي تنأى بتمجيدنا للتَّنزاني ماغوفولي عن نهج التَّهاويل الكاسدة التي درجت عليها الصَّحافة والإعلام الرَّسميَّان في القارَّة، أنه، في نوفمبر 2015، بعد أيَّام معدودات من انتخابه رئيساً، نفَّذ سياسة تقشُّف، خفَّض، بموجبها، مرتَّبه الشَّهري إلى 4,000 دولار، مقارنة بالرَّئيس الكيني (14,000 دولار)، والجَّنوب إفريقي (20,000 دولار). وقلص مجلس وزرائه من 30 وزيراً إلى 19، وأمرهم بالكشف عن أرصدتهم وممتلكاتهم، والتَّوقيع على تعهدات بالنَّزاهة. وحظر إرسال بطاقات معايدة في الكريسماس ورأس السَّنة، على أن تستخدم ميزانيَّتها لتسديد ديون الحكومة. وألغى، كذلك، احتفالات عيد الاستقلال، وحوَّل ميزانيَّتها لمحاربة وباء الكوليرا، قائلاً إن الاحتفال في تلك الظروف سيكون أمراً مخزياً للدَّولة. وقلص مبلغ 100 ألف دولار مخصصَّة لحفل افتتاح البرلمان إلى 7 آلاف فقط، ووجَّه باستخدام الفرق في شراء أسرَّة ومعدَّات لمستشفى كبير تفقَّده، فجأة، فوجد مرضاه يفترشون الأرض، ومعدَّاته معطلة، فقام بفصل جميع إداراته، وعيَّن، بدلاً منهم، إدارات جديدة منحها مهلة أسبوعين لإصلاح الأوضاع، فأصلحتها في ثلاثة أيَّام! وإلى ذلك قيَّد سفر المسؤولين للدُّول الأجنبيَّة مكتفياً بعمل السُّفراء، وفي الحالات الاضطراريَّة منع هؤلاء المسؤولين من السفر على مقاعد الدَّرجة الأولى في الطائرات.
وفي لقاء الكومنولث أرسل 4 مسؤولين فقط ليمثلوا البلاد، بدلاً عن 50 جرت العادة على مشاركتهم! وأمر ببيع كلِّ عربات الدَّفع الرُّباعي المملوكة للدَّولة، واستبدالها بعربات صغيرة! كما قلص مظاهر الرَّفاهية المتمثِّلة في عقد المؤتمرات في الفنادق الضَّخمة. وفى أبريل الماضي لقب بـ «قاهر الفساد» لفصله أكثر من 9,900 موظف كشفت التَّحقيقات عن أن شهاداتهم مزوَّرة، مثلما لم يتردَّد في إقالة مسؤولين بارزين ثبت تورُّطهم في عمليَّات فساد، فضلاً عن حملة كان شنَّها، في مارس 2016، وكشفت عن آلاف الموظفين الحكوميين الذين يتقاضون رواتب ولا يؤدُّون أيّ عمل. واتَّخذ إجراءات ضدَّهم شملت طردهم، وفضحهم بنشر أسمائهم. وتقدَّم البعض، عشيَّة انتهاء فترة رئاسة ماغوفولي، باقتراح لتعديل الدُّستور، كي يمكن إعادة انتخابه لـ 20 عاماً، فما كان منه إلا أن قال، في أحد المؤتمرات الشَّعبيَّة، إنه لن يقبل بتعديل الدُّستور، وسيلتزم بتسليم السُّلطة فور انتهاء مدَّته الرِّئاسيَّة الحاليَّة.
إذن، فالقول إن ماغوفولي نموذج للفرادة، ليس محض بلاغة لغويَّة، وإنَّما يعني أنه، وسط القادة الأفارقة، نسيج وحده.. قولاً واحداً!
kgizouli@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى