مقالات عامة

العرافون والاصطفاف السياسي

مفتاح شعيب

في نهايات كل عام، ترتفع أسهم العرافين والمنجمين من خلال الإدلاء بتوقعاتهم حول ما يمكن أن يحمله العام الجديد من أحداث وتطورات في شتى المجالات، مستعينين في ذلك بخرائط لحركة الكواكب وطلاسم غير مفهومة. ورغم أن معظم التوقعات لا تتحقق، فإن بعض ما سيكون هو في الأصل نتيجة حتمية لمسار سابق ولا علاقة له ببراعة العراف.
يتحدث كثير من قراء الطالع بالقليل عن الأخبار السارة، بينما يطنبون في التخويف من أحداث مزلزلة وحروب ضارية واغتيالات واختفاء دول، بسبب أن الخوف من المجهول هو الشغل الشاغل للإنسان منذ الأزل. فلا يعلم الغيب إلا عالم الغيب، ولا أحد يمكن أن يحدد بالضبط ما سيكون، وحتى النظريات العلمية التي تتوخى مناهج صارمة كالبحث في التوقعات المناخية والاقتصادية والطبية، كثيراً ما تتوصل إلى نتائج نسبية قابلة للتحقق والإبطال في الآن ذاته. أما المنجمون فيدلون بتوقعاتهم واثقين وكأن أزرار تسيير الكون في متناول أيديهم. ومن هنا جاءت الشعبية الجارفة التي يتمتعون بها في الشهر الأخير من كل عام ميلادي، أما بعد أن يبدأ عداد أيام السنة الجديدة في الدوران يلفهم النسيان شيئاً فشيئاً، وتبقى الحياة مستمرة بكل ما فيها من مسرات ومساوئ.
من الناحية النفسية، يستحب التفاؤل وعقد الأمل على المستقبل. أما الواقع فله منطقه الخاص وسيرورته الصارمة. وحين يقول البعض إن بعض الدول قد تشهد أعمالاً إرهابية، فهذا شيء طبيعي، وهو أمر تتوقعه وتتحسب له أجهزة الاستخبارات ومراكز الاستعلامات، إذ لا شك أن الحملات الدولية على الجماعات المتطرفة ستؤدي إلى أعمال انتقامية عشوائية، وهو ما حدث في سنوات ماضية. وحين يتوقع بعضهم أيضاً بفيضانات وكوارث طبيعية كبيرة فإنها تحصل مثل العاصفة الثلجية غير المسبوقة منذ 60 عاماً التي اجتاحت مناطق من كندا والولايات المتحدة، وهي كوارث كان علماء المناخ يحذرون منها بسبب ارتفاع حرارة الأرض المساهمة بشدة في تقلبات المناخ، وهو ما دفع دول العالم إلى توقيع اتفاق المناخ في باريس قبل عامين لمواجهة التحديات المناخية والبيئيّة وأهمها مسألة الاحتباس الحراري. وفي القضايا العامة، كانت هناك توقعات للمنجمين بحرب عالمية ثالثة، وأخرى ضخمة في الشرق الأوسط، ولم تحصل في السابق، كما لا يرجح وقوعها في المستقبل لاعتبارات عديدة، أهمها أن أغلب الأطراف الدولية لم تعد بحاجة للحروب الكبرى لتحقيق مصالحها، كما أن الأزمات الممكن أن تفجر نزاعات واسعة النطاق يمكن تطويقها بدبلوماسية الضغوط والعقوبات.
كثيراً ما يلاحظ أن أغلبية المنجمين، كما غيرهم من المتابعين، غير مبرئين من الاصطفاف السياسي، إذ توحي تكهنات بعضهم بأنها دعاية محضة وتخدم أجندات معينة ولا علاقة لها بـ «علم النجوم»، وهي أقرب إلى استطلاعات ومحاولات توجيه الرأي العام إلى وجهة محددة. وحين يتبين هذا الأمر، يتأكد أن كل التكهنات المقترحة هي في الأصل تخمينات شخصية، وإن تم إخراجها وفق قواعد التنجيم، أما ما سيحدث فعلاً، فلا أحد بإمكانه أن يتوقعه بالتفصيل، وتلك خاصية المستقبل الذي يظل مجهولاً وغير قابل للحصر.
chouaibmeftah@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى