مقالات عامة

الدُرج السري لروز اليوسف

د. حسن مدن

عندما أصدرت السيدة فاطمة اليوسف، المعروفة باسم روز اليوسف، كتابها «ذكريات» عام 1953 قال ابنها إحسان عبد القدوس: «هذه الذكريات ناقصة. ناقصة إلى حد بعيد».
كانت الأم تعرف رأي ابنها هذا، فكتبت تخاطبه، في الكتاب إياه: «إليك يا ابني هذه الذكريات الناقصة كما تقول، وإنك لتعلم من الأشياء ما يصعب على المرء أن يقوله أو يوضحه، وإنه ليكفي أن تكون عالماً بما في هذه الذكريات من نقص، لأطمئن إلى أنك سوف تكملها ذات يوم».
هناك أشياء لم تقلها يومها. وهي لم تغلق الباب بوجه أن تفعل ذلك يوماً ما، فتحكي ما تحاشت الإفصاح عنه، وهو على قولها، كثير، فتمنت أن تعود فتقول ما لم تقله، أو «لعلي أترك البقية لإحسان ليكتبها».
بعد أن توفيت الأم كتب الابن مقالاً وصف فيه اللحظة التي سُلّم فيها مفاتيح أدراج مكتبها، وكيف أنه ضمّ المفاتيح بين أصابعه في حنان ورفق، كما يضم يد أمه نفسها، وقرّب حزمة المفاتيح من فمه وقبّلها كما اعتاد تقبيل يد أمه.
قال إحسان في المقال أيضاً إنه يعرف كل ما في مكتب أمه. في الدرج الأيمن عقود واتفاقات، وفي الدولاب «دوسيهات»، وفي دولاب آخر مجموعة من المجلات والصحف القديمة، وفي الخزانة الصغيرة مسودات لخطابات كانت ترسلها إلى رؤساء الحكومات في عهود الرقابة، فعندما تعجز عن أن تقول لهم رأيها على صفحات جريدتها، كانت ترسل لهم خطابات خاصة.
درج واحد لم يكن الابن يعرف ما فيه. ولم يكن هذا الدرج، على ما ذكر، يثير اهتمامه، ولم يسأل عما فيه لأنه يرى أنه ليس لدى أمه أسرار، وأن كل ما في قلبها للناس، ولكنه، لأمرٍ ما، كان يحترم خصوصية هذا الدُرج، واعتاد أن ينظر إليه من بعيد في حنوٍ كأنه ينظر إليها وهي نائمة.
حانت اللحظة التي وجد نفسه أمام هذا الدرج، وضع فيه المفتاح وقلبه يخفق كأنه سيرى أمه مرة أخرى، فماذا وجد فيه؟
كان الدرج يحتوي على مجموعة صور لأخته، وصورة تضمهم جميعاً: الأم والأخت وإحسان نفسه، وكانت هناك مجموعة خطابات كتبها هو إلى أمه في فترات متفرقة. لكنه وجد في الدرج شيئاً آخر جعل قلبه يدق: مفكرة صغيرة كانت تكتب فيها بخط يدها، وهو كان يعلم أنها في فترات العمل تختلس أوقاتاً كي تكتب أشياء، لكنه لم يكن يعرف ما الذي تكتبه بالضبط، لأنها كانت تحتفظ بكل ذلك لنفسها.
ها هو الآن أمام المفكرة «السرية» التي كانت تدون فيها تلك الكتابات. شعر الابن بحيرة وارتباك ويده تمسك بالمفكرة وتفتحها بتردد، ليبدأ بالقراءة.
إن لم أعد في مقالٍ آخر لما قرأه إحسان في المفكرة، اذهبوا إلى كتاب الأم الموسوم «من ذكرياتي الصحفية» لتعرفوا الجواب.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى