مقالات عامة

الشرق وحروبه المقبلة

عاصم عبدالخالق

مع بداية العام الجديد، تداعب أحلام السلام والاستقرار خيال الملايين الذين أرهقتهم مشاهد الحروب والدمار والدماء طوال العام المنصرم. غير أن الأماني وحدها لا تصنع السلام ولا تغير الواقع وليس بمقدورها تجميله.
الحقيقة المحزنة هي أن العديد من الصراعات الدائرة حالياً ستستمر، والأسوأ أن صراعات أخرى ستندلع خلال 2018. وقد رشحت دراسة جديدة لمجلة «ناشيونال إنترست الأمريكية» خمس بؤر ملتهبة، رجحت أن تندلع منها شرارة حرب عالمية ثالثة في العام الجديد.
قبل أن نشير إلى هذه المناطق نسجل تحفظاً واحداً على ما ذكرته المجلة، يتعلق بما توقعته من اتساع نطاق واحد أو أكثر من هذه الصراعات ليتحول إلى حرب عالمية. ذلك أن اندلاع حرب على نطاق عالمي تطور ليس هيناً، خاصة إذا كانت الدول المتصارعة تملك أسلحة نووية. كما أن الولايات المتحدة وروسيا خاضتا وتخوضان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عشرات الحروب بالوكالة في أنحاء متفرقة من العالم، دون أن تنزلقا إلى مواجهة مباشرة.
الحرب الأولى التي ترشحها المجلة ستكون بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. وفي هذه الحرب سيسقط نحو ثمانية ملايين قتيل، بينهم مليون في اليوم الأول وحده وفقاً لتقديرات الخبراء. السبب في هذه الأرقام المفزعة للضحايا هو أن كوريا تملك مخزوناً ضخماً من الأسلحة النووية، سيكون هدفاً مباشراً للضربة الأمريكية الأولى مما يطلق إشعاعات قاتلة.
هذا السيناريو المرعب يمكن أن يبدأ بطريق الخطأ، وهو احتمال متوقع جداً إذا تصورت أي دولة من الدولتين وفقاً لتفسيرات غير دقيقة أن الأخرى بصدد مهاجمتها، فتبادر بضربة استباقية لترد الثانية وهكذا تبدأ الحرب.
وبطبيعة الحال لن تقف الصين مكتوفة الأيدي تشاهد تدمير حليفتها الشيوعية، وتلك بدورها سترد بضرب الحليفتين الأقرب لأمريكا أي جارتها الجنوبية واليابان.
الجبهة الثانية التي يمكن أن تشهد حرباً ضارية طرفها الصين أيضاً وهي الجبهة التايوانية. في هذه المنطقة تكمن عوامل صراع مازال خامداً بفضل صبر وحكمة الصين. الصراع هنا يؤججه الاستفزاز المتبادل بين بكين وواشنطن، الأولى تواصل أنشطتها البحرية في بحر الصين الجنوبي، وهو ما يغضب ويقلق أمريكا واليابان. على الجانب الآخر تواصل واشنطن تسليحها المكثف لتايوان ما يثير حنق الصين.
الجبهة الثالثة للحروب المتوقعة هي أوكرانيا، والتي تشهد بالفعل حرباً بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا عن طريق الميليشيات المسلحة. الشرارة المحتملة للحرب يمكن أن تنطلق في أي لحظة وقد تكون بدايتها على سبيل المثال عند سقوط الحكومة الضعيفة القائمة هناك، ما يؤدي إلى فوضى تستغلها الميليشيات المتناحرة لتوسيع مناطق نفوذها وسيطرتها. وقد يشجع هذا المناخ روسيا على قضم جزء آخر من الأراضي الأوكرانية، كما فعلت مع شبه جزيرة القرم. مثل هذا التطور لن تحتمله أوروبا ولا أمريكا ولن تسمحا به وسيكون الصدام عندئذٍ أمراً لا مفر منه.
غير بعيد عن شرق أوروبا، تقع الجبهة الرابعة للحرب المحتملة عند التخوم الشرقية والجنوبية لحلف الناتو، حيث تمتد أراضي البلقان ثم القوقاز. هنا تلعب تركيا الدور المحوري في وقت تزداد علاقاتها مع أوروبا وأمريكا توتراً، بينما تتوطد أواصر تعاونها مع روسيا التي تمدها بأسلحة متطورة. والصراع هنا سيمتد إلى كل المناطق التي يصل إليها النفوذ التركي، سواء في شرق آسيا أو أوروبا أو سوريا أو العراق.
أخيراً، يبقى الشرق الأوسط الجبهة التقليدية الأكثر خطورة للصراعات، وهي كثيرة ووافرة حتى لو بدت أحياناً تحت السيطرة. الحرب الجديدة سيكون مركزها إيران، إما بهجوم تشنه على غيرها، أو بضربات «إسرائيلية» أمريكية تتعرض لها.
خلاصة ما تذهب إليه المجلة هو أن الحرب قادمة، ويستأثر الشرق بجبهاتها دائماً، فهي إما في شرق أوروبا أو شرق آسيا أو شرقنا الأوسط البائس، فكلنا في الهم شرق.

assemka15@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى