مقالات عامة

نهاية الحرب السورية

حسام ميرو

منذ أن حسم الروس معركة حلب في ديسمبر 2016، أصبح واضحاً أن الحرب السورية تمضي نحو نهاياتها، وقد أتت ترتيبات موسكو في الشأن الميداني، عبر اتفاقية «خفض التصعيد»، لتعكس ميزان القوى الجديد، وتحدّد إلى حدّ بعيد مسار التسوية المقبلة، وهو ما عنى بالنسبة إلى مختلف الأطراف الفاعلة مباشرة على الأرض السورية أن مرحلة الصراع العسكري قد انتهت إلى غير رجعة، وأن ما هو مهم هو تظهير نتائج الوضع الميداني سياسياً، فقد استثمرت تلك الأطراف في الحرب السورية على ضفتي الصراع، وهي ترى أن من حقها ضمان مصالحها الاستراتيجية، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب.
المعضلة في المسار السياسي هي اشتماله على ملفات لا تقل إشكالية عن الوضع العسكري الذي ساد لسنوات، ولا يمكن حل تلك الملفات، أو الوصول إلى تسويات أولية بشأنها، من دون وجود السوريين، فأي صيغة سياسية مستقبلية تحتاج إلى روافع قوامها قوى سياسية سورية، وهذه النقطة أيضاً هي بحد ذاتها مشكلة جوهرية، فقد منعت الحرب بلورة قوى سياسية فاعلة وذات مصداقية شعبية، فمعظم القوى الراهنة هي مجرد عناوين سياسية، لا تستند إلى قواعد حزبية وازنة، أو امتداد شعبي، خصوصاً أن الصراع العسكري كان قد استدعى بروز الهويات الثانوية (الدينية، والمذهبية، والمناطقية، والإثنية)، وهي هويات مضادة للسياسة بمعناها الوطني العام.
تنطلق موسكو في رؤيتها للحل السياسي من حيث انتهى الصراع العسكري، فترى بأن المعارضة السورية يجب أن تقبل وتقرّ بهزيمتها العسكرية، وبالتالي فإن طرح المعارضة السابق حول المرحلة الانتقالية قد سقط، وعليها أن تقبل المشاركة في الحل السياسي بتوقعات موضوعية، وهو ما يعني فعلياً القبول بما تبقى من النظام القديم، لكن هذه الرؤية الروسية، بما فيها من مشكلات بنيوية بالنسبة للمعارضة، لا تلقى قبولاً إيرانياً، فطهران ما زالت ترى بأن أي مسار لمشاركة المعارضة في مستقبل سوريا سينطوي على مخاطر كبيرة على مصالحها، كما ترى بأن الحل الروسي، وما يحتاجه من توافقات مع واشنطن سيكون على حسابها، وبالتالي فإنها ستعمل على عرقلة هذا الحل، على الرغم من عدم رفضها الصريح له.
إن مختلف الأطراف الإقليمية التي انخرطت في الصراع السوري أصابتها حالة من الإنهاك، خصوصاً مع الارتدادات الكثيرة للحرب السورية عليها، وهو ما يمكن تلمّسه في الأشهر الأخيرة من التصريحات الرسمية، أو الحراك الدبلوماسي، لكن ثمة مسافة كبيرة بين رغبة تلك الدول بوجود حل سياسي وبين شكل الحل السياسي الذي يمكن أن تقبل به، وستعمل كل دولة من الدول في المرحلة الراهنة على رفع سقف مطالبها وحصتها في الحل، وهو ما بدأنا نجد صداه في بيانات بعض القوى السياسية المعارضة، والتي لا تعكس فقط مواقفها، وإنما أيضاً مواقف الدول التي تقف وراءها.
إن العنوان الرئيسي لهذه المرحلة من الحل السياسي هو «البازار»، فكل فريق داخلي أو خارجي يريد ثمناً أكبر مما لديه من أوراق، وهو أمر مفهوم بالمعنى الاستراتيجي، لكن تشابك المصالح الخارجية وتناقضاتها في آن سيكون عائقاً في وجه الوصول إلى تسويات سريعة، بالإضافة إلى عدم طرح خريطة طريق واضحة أمام القوى السياسية السورية، فهي على الرغم من ضعفها ودرجة الإنهاك التي وصلت إليها لا تستطيع رمي كل أوراقها من دون أن تعرف الطريق الذي ستسلكه.
من الواضح أن موسكو وكل القوى الإقليمية ما زالت تتهرّب من طرح الملفات الكبرى التي تحدد مسار الحل السياسي، ويمكن أن تضمن قبوله من قبل السوريين، وأن تمنحه حالة من الاستدامة، إذ لا يمكن لأي حل سياسي أن ينجح من دون وجود خريطة طريق لحل تلك الملفات، وفي مقدمتها ملفات الأجهزة الأمنية والجيش واللاجئين والمعتقلين وإعادة الإعمار، وهي ملفات تحتاج إلى تغييرات جوهرية في بنية الدولة السورية، وإلى جهد متعدد المستويات، وإلى توافق إقليمي ودولي على دعم الحل السوري بالأموال اللازمة لإعادة تأهيل البنى التحتية المدمرة، وضمان أوضاع معيشية ضمن الحدود المقبولة إنسانياً.
إن بدء مرحلة الحل السياسي لا تعني، ولا يمكن أن تعني في الحالة السورية، أنه سيكون بالإمكان رؤية حل سياسي وشيك، فثمة أسئلة كبيرة يطرحها هذا المسار على المستويات كافة، وتنطوي على مخاطر كبرى، وفي مقدمتها الموقف العربي والأمريكي والأوروبي من إيران، وهناك المشكلة الكردية في شمال سوريا، وبالتالي فإن نهاية الحرب السورية بعنوانها الكبير لا تعني أن حروباً بعناوين أخرى قد تبرز في أي لحظة، وتحرف مسار الحل السياسي إلى متاهات جديدة.

husammiro@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى