مقالات عامة

غواتيمالا وحديث السيادة

يونس السيد

غواتيمالا.. تلك الدولة القابعة في أمريكا الوسطى على حدود المكسيك، لم تكن معروفة جيداً أو ذات شأن كبير بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، ولكنها أرادت، على ما يبدو، دخول التاريخ من بابه الخلفي، لتصبح الدولة الأولى في العالم بعد الولايات المتحدة التي تقرر الاعتراف بالقدس عاصمة ل «إسرائيل» ونقل سفاراتها إليها.
لكن شتان بين الحالتين، فإذا كانت «إسرائيل» هي الابنة المدللة للولايات المتحدة، بل هي في الحقيقة، مشروع غربي أمريكي بامتياز، يحظي تاريخياً بالحماية والدعم الأعمى من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإذا كان لدى ترامب مبرراته لاتخاذ هذه الخطوة، سواء للوفاء بوعوده الانتخابية للوبيات اليهودية، أو لأسباب داخلية بحتة، حيث بات وجوده في البيت الأبيض في خطر تحت مقصلة التحقيقات في قضايا شائكة ومتعددة، فإننا نتساءل عن مصالح غواتيمالا في مجاراة واشنطن في اتخاذ هذه الخطوة، والمغامرة بوضع نفسها في عزلة دولية أسوة بالولايات المتحدة.
ما يلفت النظر هو حديث غواتيمالا عن السيادة، وتركيزها على أن قرارها «قرار سيادي» لا رجوع عنه، وبما أنها تحترم مواقف الدول الأخرى (الرافضة للخطوة) فإن على تلك الدول احترام قراراتها.
قد يبدو هذا الكلام، للوهلة الأولى، صحيحاً نظرياً، ولكن منذ متى كانت السيادة تعني الاعتداء على الآخرين، والارتماء كلية في أحضان واشنطن، أم أن أصحاب القرار في غواتيمالا يجهلون بدهيات التاريخ والجغرافيا، عن فلسطين والقدس والشعب الفلسطيني الذي تمتد جذوره إلى آلاف السنين على هذه الأرض، وأن هناك صراعاً عمره أكثر من مئة عام مع غزاة ومستعمرين استجلبوا من شتى بقاع الأرض، وأقاموا كيانهم على أنقاض مئات القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، وعلى جماجم مئات الآلاف من أصحاب البلاد الأصليين.
حسناً، لا نعتقد أن غواتيمالا تجهل كل ذلك، ولكنها تتجاهله، فقد سبق لها أن حاولت في تسعينات القرن الماضي نقل سفارتها إلى القدس، لكنها تراجعت بعدما اصطدمت بإغلاق أسواق الدول العربية والإسلامية أمام بضائعها. واليوم يبدو أنها أصبحت دولة فاقدة للسيادة بالفعل، ولا يحق لها الحديث عن السيادة بعدما انتهكت سيادة وحقوق الآخرين، وبعد أن رضخت للضغوط والإغراءات الأمريكية، وارتضت أن تحذو حذو واشنطن، لكي تحظى بدعمها ورعايتها، على حساب أية مبادئ ومعايير أخلاقية، في مغامرة غير مشروعة، ومتناقضة مع القوانين الدولية وشرعة الأمم المتحدة وموقف المجتمع الدولي بأسره، الرافض للانجرار وراء واشنطن، في وقت كانت الأخيرة تبحث عن مجرد أي دولة تلتحق بها حتى لا تظل وحيدة في مواجهة هذا العالم.

younis898@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى