مقالات عامة

بين عامين

د. حسن مدن

بحساب الوقت وتعاقب الليل والنهار، والمرور الرتيب للساعات والدقائق والثواني، لا شيء يختلف في ليلة رأس السنة عن سواها من الليالي. في كل ليلة على مدار العام ينتصف اليوم عند الساعة الثانية عشرة ليلاً، وفي كل ليلة يتعانق عقربا الساعة، كما يفعلان في رأس السنة، الوقت نفسه يسير بالإيقاع نفسه، لا ثانية واحدة سيتقدم ولا ثانية واحدة سيتأخر. الوقت، بطبعه محايد، وصارم. الذي يتغير هو إحساسنا به. نحن من يجعله يمر بطيئاً، ثقيلاً، وربما كاتماً لأنفاسنا، ونحن أيضاً من يجعله يمر خفيفاً، رشيقاً، فرحاً.
ربما هذا، بالذات، ما يضفي على رأس السنة، طابعها الخاص. ما يجعل لحظة تعانق عقربي الساعة عند الثانية عشرة في منتصف الليل إيذان تلك النقلة من عام إلى آخر، من عام بتنا نعرفه، فقد اجتزناه كاملاً، بحلوه وبمره، بما فيه من نجاحات وما اعتراه من خيبات ألمت بنا، إلى عام جديد لا نعرف ما الذي يخبئه لنا، أية مفاجآت في جعبته لن ينبئنا بها إلا لحظة وقوعها، وأي مراسٍ سيأخذنا إليها، وأية منعطفات حادة سيضعنا على محك اختباراتها القاسية.
اليقين الأكبر، وليس الوحيد بالطبع، الذي نعرفه في تلك اللحظة أننا كبرنا عاماً. كل شيء فينا كبر: الخبرات، الخيبات، النجاحات، هذا بالطبع إن وجدت، لأنه قد يمر العام كاملاً دون أن نكون ظفرنا بنجاح جديد، وإن توفرت لذواتنا حينها لحظة صفاء مع النفس، يمكننا أن نقوم بجرد حساب سريع لما أعطانا إياه العام المنقضي وما أخذه منا.
وفي الحالين تتفاوت الأمور بين شخص وآخر، قد تكون كفة الخسارات أكبر، وقد تكون من الخسارات الفادحة، من تلك الخسارات التي لا تعوض، ولا يسترد ما ومَن خسرناه، وقد يكون بعضنا من المحظوظين، حين تعلو كفة النجاحات على الخسائر، وحين تكون تلك النجاحات من النوع الذي لا يجود به العمر كثيراً.
هذا إزاء الذي مضى. إزاء ما بات معلوماً، لكن إزاء الآتي، إزاء المجهول فليس سوى الترقب والرجاء والأمل، بل الخوف والحيرة والقلق، فمَن له البصيرة، غير المنجمين، وهم، وفي كل الأحوال، يكذبون حتى وإن صدقوا، ليعرف ما الذي يخبئه لنا العام الذي دفعنا سابقه إليه، كمن يقول: تسلم مني العهدة كما هي وتولى أنت الباقي، فهذا بات من شأنك.
هاقد أتى الصباح. نحن اليوم في عام جديد، لا حيلة لنا لنعرف ما الذي يعدنا به، فيما يتصل بمصائرنا كأفراد، فطوبى لكل أولئك الذين يفعلون ذلك مسلحين بالأمل والعزيمة، ومحصنين بوجه اليأس، وأقوياء بالفكر وبالإرادة في أن يوظفوا ما بات في أياديهم من خبرات كي لا يضعفوا أمام الصعوبات، ودعاؤنا أن يجعلنا الله في عدادهم، إنه على كل شيء قدير.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى