مقالات عامة

حرب بلا بارود!

خيري منصور

ما قدمه مركز الأبحاث الفلسطينية في بيروت بعد حرب يونيو/ حزيران وتحت شعار «اعرف عدوك» كان أضعاف ما قدمه الإعلام العربي الذي وصف في تلك الأيام بأنه ظاهرة صوتية، حيث اقتصر على مخاطبة العواطف القومية، لكن بمعزل عن تحديث وتطوير الخطاب الوطني. لهذا كان مركز الأبحاث في بيروت من أهداف الاجتياح، واستشهدت عند اقتحامه سيدة كانت تشرف على المكتبة، وتمت مصادرة مخطوطات ووثائق بالغة الأهمية، وهذا دليل على أن الثقافة الجادة تصبح هدفاً للعدوان بسبب فاعليتها، بعكس الصراخ والصخب اللذين يتحولان إلى جعجعة بلا طحين!
وكان مركز الأبحاث قد أصدر كتباً تغطي قرناً على الأقل من تاريخ فلسطين، إضافة إلى التعريف بالاستراتيجية الإسرائيلية ومجمل أنشطتها في الداخل والخارج على السواء.
وحين اغتال الموساد شخصيات فلسطينية مثل الشهيد غسان كنفاني والشهيد ناجي العلي وغيرهما كان أحد أهم أسباب الاغتيال النشاط الفكري لهؤلاء، وغسان كنفاني لم يتم اغتياله على ذلك النحو الفاجع لأنه ناطق رسمي باسم فصيل فلسطيني بل لأنه مؤلف عدة روايات ودراسات ذات صلة عضوية بالصراع، خصوصاً كتابه عن الأدب اليهودي الذي فتح كوة في أفق كان مسدوداً وفي حقل ثقافي كان مجهولاً.
وبهذا المقياس فإن الدفاع عن الدولة العربية الحديثة ومؤسساتها، كي لا تصبح الفوضى المدمرة هي البديل، ليس فقط في الإعلام الذي يكرر مقولات فقدت بمرور الوقت معناها وجدواها، بل من خلال مراكز أبحاث تسعى إلى تثقيف القارئ العربي بماهية الدولة، وتبدد الالتباس المزمن الذي أدى إلى الخلط بين النظام السياسي والدولة. وفي الأعوام الأخيرة صدرت كتب في هذا السياق لكنها بقيت في نطاق التداول الأكاديمي، والمطلوب هو تعميمها وجعلها بمتناول القراء، لأن البديل الوحيد للدولة في حالة غيابها هو الانتحار الأهلي.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى