مقالات عامة

الإبداع الكامن

فوّاز الشعّار

تحدٍّ كبير ينتظر كثيراً من مدارس الدولة، هو دمج أصحاب الهمم بين طلابها، وإشعارهم، حقيقةً لا مراءاةً ولا محاباةً، بأنهم كأقرانهم الأسوياء في كل شيء، سوى أن ظرفاً ما أدّى إلى خلل أحد أعضائهم، أوتعطّله، لكنه لا يعني البتة، أنهم غير قادرين على القيام بكل أمورهم، ومن دون مساعدة.
دولة الإمارات، ومنذ مدة طويلة، أخذت على عاتقها، وبجدية مطلقة، أن لأصحاب الهمم أهمية وأولوية، فهيّأت لهم المراكز التي تُعنى بشؤونهم وخصّصت لهم نواديَ ومراكز يمارسون فيها كل هواياتهم، وأفردت لهم أنواعاً من الألعاب، وشارك كثير منهم في بطولات عالمية، وتشرّفوا بالفوز بجوائز وميداليات، ورفعوا اسم وطنهم عالياً، وشجّعت المؤسسات الحكومية والخاصة على توظيفهم. ثم بدّلت مسمّاهم، من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى «أصحاب الهمم»، لإدراك القيادة المطلق في الإمارات، أن صاحب الحاجة ضعيف، وهذا المُسمّى يعني أن هؤلاء الذين أصابتهم الأقدار بأمراض معيّنة أو حوادث، مضطرون للاستعانة بغيرهم لقضاء حوائجهم، أما في الواقع فكثير منهم ليسوا كذلك، والأمثلة كثيرة جداً، من تاريخنا القديم، ثم المعاصر، ثم الحديث، وفي كل أنحاء العالم، كبشّار بن برد، ثم المعرّي، ثم طه حسين، وفي الغرب، هيلين كيلر، وستيف هوكينغ.. والقائمة تطول؛ كل هؤلاء كانت لديهم أمراض، لكنّها لم تكن «تعيقهم» عن أن يكونوا في الصدارة في ما كانوا يفعلونه. ولم يضطروا إلى الاستعانة بأحد إلّا الشيء البسيط جداً، لممارسة حياتهم الطبيعية، والتحليق في سماوات الإبداع والابتكار. فهل من ينال شهادة الدكتوراه في الآداب، على سبيل المثال لا الحصر، ذو احتياجات خاصة؟
ما أدلى به بعض أصحاب الهمم، منذ أيام عن تعثّر إدماجهم في إحدى المدارس بعض الشيء، مقلق. يجب أن تهيّئ المدرسة كل الوسائل والسبل، ليكون هؤلاء في أحسن حال، وفي شعور مملوء بالراحة والاطمئنان، فمن كان ضعيف النظر أو السمع، عليها أن تفرد له المقعد الأول. ويجب تخصيص مشرفين اجتماعيين ذوي خبرة، لتهيئة زملائهم في المدرسة، لتقبّلهم وعدم السخرية منهم، أو النظر إليهم نظرة استعلاء، يمكن أن تشعرهم بالمغايرة أو الاختلاف.
كثير من هؤلاء واعدون، والوطن ينتظر منهم الكثير، فلا نقتلنَّ فيهم هذه الهمم، بتقصير بسيط، ولنكنْ أعواناً لهم ونصراء، نستحث طاقاتهم وهممهم، فالإبداع كامن في العقول والأيدي أو القلوب الجيّاشة بالحب والأمل، والتشجيع والإطراء، والنظرة الملأى بإشعاع الحب والاحتواء. فهؤلاء أصحاب همم، وهي همم سامية محلّقة.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى