مقالات عامة

الضمير الإنساني والمجتمع الدولي

د. مصطفى الفقي

أثارت مسألة اعتراف الرئيس الأمريكي ترامب بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» مناقشات واسعة وحوارات مستفيضة حول غياب العدالة في العلاقات الدولية وتطبيق سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين في التعامل على المستويين الإقليمي والدولي. وتبدو القضية الفلسطينية لأصحابها قضية عادلة باعتراف معظم دول العالم، وتكفي تلك المظاهرة الضخمة في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وقد جاء ذلك التصويت بأغلبية كبيرة ليضع الولايات المتحدة ورئيسها في موقف حرج .
يبقي التساؤل المطروح هل ما زال الضمير الإنساني يملك مقومات الصحوة برغم تفاوت مراكز القوى والصعود والهبوط في بورصة العلاقات الدولية فضلاً عن أن القاعدة القانونية الدولية ناقصة إذ إنها لا تستند إلى عنصر الجزاء فليس للسلم والعدل الدوليين قوة تحميهما؟
لكن المؤثر بالفعل هو منطق القوة بكل ما تحمله من نوازع السيطرة ودوافع العدوان وشهوة النفوذ، وما أكثر القضايا العادلة في عالمنا ولكنها لا تجد من يدافع عنها أو يضعها في إطارها الصحيح، فبرغم تسليمنا أن الضمير الإنساني عادل بطبيعته إلا أن تفاوت موازين القوى يرجح كفة أولئك القادرين على تزييف إرادة المجتمع الدولي وتصوير الأمور على غير طبيعتها، وتبدو «إسرائيل» نموذجاً مثالياً لذلك، فقد استطاعت في العقود الأخيرة أن تقلب الحقائق وأن تخلط الأوراق فاعتبرت الكفاح المسلح إرهاباً، واعتبرت النضال من أجل استعادة الأرض عنفاً غير مبرر، بل وزادت على ذلك أن مارست نمطاً جديداً من الإرهاب نسميه (إرهاب الدولة)، وهل هدم المنازل على أصحابها واغتيال القيادات وقتل الأطفال وترويع المدنيين إلا نماذج للممارسات التي نجحت الدولة العبرية في فرضها، مع خلق صورة سلبية عن الهوية العربية والشخصية الفلسطينية، حتى أصبحنا نرى عدداً من الدول الإفريقية تؤيد «إسرائيل» أو تمتنع عن التصويت ضدها في الجمعية العامة عند مناقشة القرار العربي الأخير؟ كذلك نكصت بعض الدول على عقبيها وأدارت للعرب والفلسطينيين ظهر المجن، وهناك دول كانت معروفة بدعمها التقليدي للشعب الفلسطيني ولكنها تحولت إلى حد كبير حتى بلغ بها الأمر أن تلتزم الصمت تجاه الجرائم المتكررة والعدوان القائم، ولكي أستوضح الأمر فإنني أطرح المحاور الثلاثة التالية:
أولاً: إن تحولات ضخمة وتغييرات كبيرة قد طرأت على المجتمع الدولي في السنوات القليلة الماضية، كما امتلأ سوق الفكر المعاصر بكم هائل من الأكاذيب والافتراءات والأراجيف، كما اختلط الحابل بالنابل، وسيطر حلف الأقوياء على السياسات الدولية وحلت القوة محل الحق وأصبحت العدالة في القضايا الدولية مسألة نظرية بحتة، إذ أضحت الكلمة العليا بيد أصحاب النفوذ الدولي وقبضة السيطرة في مناطق العالم المختلفة، وقد يقول قائل: وما فائدة التنظيم الدولي واللجوء إلى مؤسساته في مواجهة الأزمات الكبرى والمشكلات المزمنة؟ والإجابة ببساطة: إن استغراق الوقت قد يؤدي إلى درجة من الاقتناع المتبادل بين الأطراف المختلفة بأن حلاً يلوح في الأفق، وهنا نقف أمام نظرية الداهية (هنري كيسنجر) المرتبطة بمفهوم (الغموض البناء) حيث يلعب عامل الزمن دوراً في التهدئة وتغيير المواقف بتراجع مطالب كل طرف إلى الحد الأدنى بعد أن يكون قد بدأها بمطالب الحد الأقصى.
ثانياً: يتوهم الكثيرون أن الجمعية العامة مجرد برلمان دولي وأن قوتها الإلزامية معدومة، وهذا قول غير دقيق بالمرة؛ لأنها تمثل قوة ضغط وتشكل رأياً عاماً دولياً يؤثر على من لا يريدون الانصياع للقرار الدولي أو الذين يعتصمون بمجلس الأمن استخداماً لحق الفيتو، وعندئذ تصبح الجمعية العامة مصدر قوة أدبية هائلة ذات تأثير ضخم في مجريات الأمور، ولنا في ذلك مثالان معروفان، أولهما في (الحرب الكورية) في مطلع خمسينات القرن الماضي وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، والثانية في (حرب السويس) بعد أن أممت مصر القناة واصطدمت بالدول الغربية وأصبحت الجمعية العامة هي الملاذ الطبيعي لحشد القوى الدولية ضد أصحاب الفيتو في مجلس الأمن الذي لا يعتبر بدوره أبداً نهاية المطاف، ولكنه يعبر عن مرحلة كاشفة من مسار العلاقات الدولية المعاصرة، إنه مجرد حلف للمنتصرين في الحرب العالمية الثانية ولكنه ليس تعبيراً بالضرورة عن الرأي العام الدولي السائد بل قد يتناقض معه، مثلما هو الأمر في حالة القدس والتي تحاول «إسرائيل» بدعم من حلفائها أن تكرس الأمر الواقع وأن تفرض على الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين حقائق على الأرض حتى ولو كانت مناقضة لمسيرة التاريخ وواقع الجغرافيا، فضلاً عن المساس بالمشاعر الدينية وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية دينية بينما هي في الواقع قضية سياسية، فالقدس أرض فلسطينية محتلة قبل أن تكون مدينة مقدسة.
ثالثاً: إن العوار في التنظيم الدولي المعاصر يؤكد يوماً بعد يوم أن حق الفيتو الممنوح لخمس دول كبرى في مجلس الأمن هو عنوان مغلوط للإرادة الدولية وتعطيل لها وتزييف لمحتواها، ويكفي أن نتأمل ما جرى مؤخراً حول مسألة القدس أيضاً لكي نتأكد من أن صوتاً واحداً لإحدى الدول الخمس دائمة العضوية -وهي الولايات المتحدة- قد وقف وحده في جانب أمام الإرادة الدولية برمتها، ولعلنا نتذكر في هذه المناسبة أن د. بطرس بطرس غالي -الأمين العام الراحل للأمم المتحدة- قد نال وظيفته ومعه إحدى عشرة دولة مؤيدة له بينما فقد منصبه بعد فترة واحدة ومعه أربعة عشر صوتاً مؤيداً له أيضاً، ولكن كان الصوت الخامس عشر هو الولايات المتحدة التي وقفت له بالمرصاد للحيلولة دون حصوله على مدة ثانية وذلك هو دورها دائماً.
إن الضمير الإنساني -برغم كل ما أوردناه- قادر على أن يكون صاحب تأثير أقوى على المدى الطويل مهما كانت الصعوبات والتحديات والعقبات.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى