مقالات عامة

العالم يتغير والولايات المتحدة ليست قدراً

د. عمر عبدالعزيز

واهم من يعتقد أن إدارة الرئيس دونالد ترامب يمكنها أن تغير موقفها من عموم القضايا العربية، وفي المركز منها قضية الشعب العربي الفلسطيني، بمجرد الصياح والنياح، الذي كان ومازال صفة موصوفة في الثقافة والممارسة السياسية العربية الأكثر عموماً.
تدرك الادارة الحالية كغيرها من سدنة النزعة المركزية الواهمة أن ردود أفعال العرب ومن قد يتضامن معهم لن تتجاوز حدود الكلام، في زمن يتطلب الأفعال ولو في حدها الأدنى، وكأننا نحن العرب ننفرد عن العالمين بالتخلي الحر عن أسباب السيادة ولو في حدها المكفول قانونياً وعرفياً، ولهذا السبب تحتسب إدارة اليمين الأمريكي المشمول بالمنطق «الإسرائيلي» في قراءة الظواهر.. تحتسب هذه العقلية البراغماتية الصاعقة لكل العالم ما عدا العرب، ودليلنا على ما نذهب إليه مئات العرقلات بـ «الفيتو» لسلسلة واسعة من القرارات الأممية الكاشفة لتجاوزات اليهودية في فلسطين، حتى إن العالم الدبلوماسي ظل يسخر من تفرد الولايات المتحدة برفض القرارات الأممية التي أجمع عليها كل أعضاء الجمعية العامة ومجلس الأمن، باستثناء جزيرة (ميكرونيزيا) المجهولة والمرمية في غياهب المحيط، وبعض الدويلات المشابهة هنا وهناك.
عقد ترامب العزم على تبرير اليمين اليهودي في فلسطين، وهو يدرك تماماً أن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس (عاصمة أبدية للدولة اليهودية) كما يحلم عتاة العنصرية، إنما يصب في مجرى التهويد و«الأسرلة» وتغيير المعالم، وطرد العرب. ذلك أن القدس ليست مفهوماً فحسب، كما قد يتبادر إلى ذهن بعض المتسارعين في ثقافة التبرير والتمرير، بل هي واقع حي يتأثر بالمعطيات الواقعية المباشرة، وهنا علينا أن ندرك الرهان العملي للمؤسسة اليهودية السياسية، وهو رهان فرض الأمر الواقع، والتغيير الديموجرافي والمشهدي المتواتر، وصولاً إلى شطب أي ملمح ثقافي وبشري يتصل بالعرب الفلسطينيين، وليس أدل في هذا الباب من مثال على الإصرار «الإسرائيلي» في تشييد المستعمرات تحت مسمى (مستوطنات)، وعزل الفلسطينيين العرب، وتذويب الهوية الثقافية العربية الإسلامية المسيحية العتيدة، والدأب على استبدالها المتنامي بثقافة إحياء كسيح لما تتأبى عنه حقائق التاريخ والجغرافيا.
على العرب أن يدركوا أن العالم ليس الولايات المتحدة، بل كامل المتحد الجمعي الإنساني الرافض لمنطق الادارة الأامريكية ومؤسستها ، وأن العالم لا تنفرد به قوة واحدة كما استوهم ورثة الحربين العالميتين، وتطيروا فرحاً بالانهيار الحر للاتحاد السوفييتي، ليكتشفوا بعد أقل من عقد من الزمان أن روسيا الوريثة للإمبراطورية السوفييتية استعادت الجبروت القيصري ما قبل السوفييتي، المعجون بنزعة قومية، واعتداد بالروح الإمبراطورية المرصودة في أساس التاريخ السلافي، والجغرافيا المكانية الممتدة من أقصى الشرق لأقصى الغرب، وبالمقابل تقدمت الصين بخطى ثابتة، لتعانق الذرا، وتنبري كسند استراتيجي للفقراء والضعفاء، مع تطوير أفضل الصلات الاستراتيجية بمحيطها الأورو- آسيوي والعالم برمته.
مثل هذه الحقائق الدامغة ترينا أن العالم ليس خالياً من سند واقعي عاقل وراء حكمة التاريخ والجغرافيا، ولهذا السبب بالذات جاهر العالم كله برفض قرار ترامب، فاتحاً الباب لمبادرة عربية جذرية توجه رسالة عملية واقعية للإدارة اليمينية في البيت الأبيض، وعندها سيتضامن العالمان الإسلامي والمسيحي، بل العالم برمته مع حق العرب في اختيار درب المصلحة والمصير.

omaraziz105@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى