مقالات عامة

جورج ويا.. رمز إفريقي

فيصل عابدون

يقدم فوز نجم كرة القدم السابق جورج ويا بانتخابات الرئاسة في ليبيريا، مؤشراً جديداً على رسوخ مسيرة التقدم الديمقراطي الجديدة، التي تجتاح القارة الإفريقية. كما أن تسلمه الرئاسة في ليبيريا بالذات يقدم براهين إضافية على أن التقدم الإفريقي بات أمراً واقعاً، وأنه يمضي بقوة للأمام؛ ذلك أن ليبيريا على عكس الكثير من الدول الإفريقية شهدت أفظع أشكال العنف ومجازر القتل الجماعي، الذي اعتمدته الحكومات المتسلطة وجماعات المعارضة المسلحة على مدى أكثر من ستين عاماً، قبل أن تطيح رياح التغيير الدكتاتور السابق تشارلز تايلور، الذي يُحاكم اليوم في لاهاي؛ بارتكاب جرائم حرب وإبادة ضد شعبه.
ويمثل الرئيس الجديد جورج ويا جيلاً من الأفارقة يعد الأكثر أهلية لقيادة عملية التغيير الشاقة؛ لوضع القارة ودولها في مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي. فجورج ويا عاش جزءاً من حياته في الغرب الاستعماري القديم، وكان شاهداً على تفاعلات نجاحه في معادلة تحقيق الازدهار والمحافظة على السلام الاجتماعي وصيانة الحقوق المدنية. ولا شك أن نوعية الحياة ودرجة التطور ومستوى الازدهار، الذي شاهده في الغرب، مقارنة مع ما عاشه في بلاده، التي كانت تعاني نتائج سياسات التخلف والوحشية والتطرف وأعمال العنف الوحشية شكلت حافزه الأقوى؛ لاقتحام ملعب السياسة؛ وتحريك عملية التغيير وإصلاح الأوضاع المعطوبة في بلاده.
إلا أن هناك حافزاً آخر كان حاضراً في صموده وإيمانه بالفوز؛ وهو تاريخ زعماء الاستقلال الأفارقة الأوائل، الذين قدموا نماذج قيادية ملهمة امتدت تأثيراتها على مستوى العالم بأسره، وكانت تُبشر بمستقبل شديد الطموح للقارة وأبنائها.
لقد شهدت فترة ما بعد الاستعمار بروز زعماء كبار في إفريقيا من نوعية جمال عبدالناصر، وأحمد بن بيلا، وكوامي نكروما، وجوليوس نيريري، وأحمد سيكوتوري، وباتريس لومومبا، وجومو كينياتا.. وغيرهم. كانوا مجموعة من المثقفين الثوريين الإصلاحيين، كما كانوا حكاماً نزيهين يملكون الطموح والعزيمة وإرادة التغيير، غير أن مشروعهم لم يكتمل، وبقي معلقاً لعقود طويلة؛ حيث تحولت إفريقيا بعدهم إلى رجل العالم المريض قبل أن يظهر الزعيم نلسون مانديلا بحكمته وشجاعته ونزاهته؛ ليستأنف مسيرة القادة العظام؛ ويعيد الثقة والأمل في نفوس أبناء القارة.
وإذا كان جورج ويا هو أحدث الزعماء في الموجة الثانية من محاولات النهوض الإفريقي، التي دشنها مانديلا، فقد سبقته إلى ذلك محاولات جماعية ناجحة في استعادة الديمقراطية وتهاوت ديكتاتوريات عتيقة غارقة في الفساد وترنحت أخرى. حدث ذلك في كينيا وغينيا ورواندا وفي ساحل العاج وغامبيا. ويحدث في الكونغو والسنغال وبوروندي وانخرطت نيجيريا وإثيوبيا في معارك بناء وتنمية.
إن رئيس ليبيريا الجديد يمثل في إطاره العام رمزاً لمسيرة قومية بدأت بالفعل وتتجه لإعادة تموضع إفريقيا على الخريطة العالمية.

Shiraz982003@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى