مقالات عامة

ما يجري في إيران

د. حسن مدن

في التقارير نقرأ ونسمع أن أوساطاً إعلامية، وسياسية أيضاً، في الولايات المتحدة الأمريكية وجهت النصائح للرئيس دونالد ترامب بأن يكف عن التعبير عن دعمه للاحتجاجات الشعبية الواسعة في إيران، سواء عبر تصريحاته، أو عبر تغريداته على توتير، وهو المهووس بذلك، لأن إعلان هذا الدعم لا يخدم التحركات الجارية هناك، وإنما يلحق الضرر بها، لكونه يُصورها نتيجة مؤامرة، وتحريض أمريكيين على النظام الإيراني، أخذاً في الاعتبار، أيضاً، المزاج الشعبي غير المتعاطف مع السياسات الأمريكية، إجمالاً، لكن ترامب يريد أن يصور ما يجري بأنه نتيجة لسياساته المعلنة ضد إيران، في سياق تسويق صورته كرئيس حازم.
ربما تكون غاية النصائح المشار لها أعلاه براجماتية صرفة، لكن الحقيقة التي يجب أن تقال هنا إن الاحتجاجات في إيران نابعة، وبصورة تكاد تكون كلية، من عوامل داخلية صرفة، بعد أن ضاقت الشعوب الإيرانية، بقومياتها المختلفة، ذرعاً من نهج النظام الحاكم، خاصة على الصعيد الاقتصادي، لكونه يمس مباشرة الحياة المعيشية للمواطنين، وسط معطيات ساطعة عن فساد مستشرٍ في أوساط النخبة الحاكمة، وأجهزتها البيروقراطية.
فكل المتابعات والتحليلات تشير إلى أن هذه الاحتجاجات انفجرت بصورة عفوية، كما يحدث في كل المجتمعات المحتقنة سياسياً واجتماعياً، حين لا يعود بوسع الناس أن يصبروا أكثر، خاصة حين يطال الأمر لقمة عيشهم، وهي في ذلك تختلف عما عرف، في عام 2009، بـ"الثورة الخضراء" التي قادتها رموز الحركة الإصلاحية احتجاجاً على ما اعتبروه تزويراً في الانتخابات الرئاسية لمصلحة أحمدي نجاد، وبالتالي فإنها اكتسبت منذ البداية طابعاً سياسياً واضحاً يركز على قضايا الحريات السياسية، والأداء السياسي للدولة.
آنذاك تعاطت الأجهزة الأمنية بعنف شديد مع المحتجين، وجرت مواجهات دامية في الشوارع راح ضحية لها عدد كبير من الأشخاص، وفي النهاية تمكنت هذه الأجهزة من السيطرة على الوضع بالقوة، ووضع زعماء الحركة تحت الإقامة الجبرية حتى اليوم، ورغم أن سيناريو استخدام القوة ضد المحتجين يتكرر هذه المرة في مختلف المدن الإيرانية التي شهدت الاحتجاجات، إلا أن وزير الداخلية، ومسؤولي الحرس الثوري يهددون بالمزيد من استخدام العنف لسحق التحركات الحالية، التي لم تفقد قوة زخمها بعد.
وكعادة الأنظمة التي لا يتوفر إجماع شعبي عليها، أو حولها، لجأت أجهزة النظام إلى تنظيم مسيرات مؤيدة له، للتباهي بأن عدد المشاركين فيها أكثر بكثير من عدد المشاركين في الاحتجاجات، بتجاهل ما يتعرض له الأخيرون من تنكيل. أي نظام يقسم شعبه إلى موالين ومعارضين هو نظام يعاني مشكلة في شرعيته، لأن غايته تأليب قسم من الشعب ضد قسم آخر، فيما المطلوب هو الإصغاء إلى أصوات الجائعين المتطلعين إلى العيش الكريم، والناقمين على استشراء الفساد لأنهم ضحايا له، وإلى الأحرار الذين يطالبون بالديمقراطية والمشاركة السياسية.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى