مقالات عامة

الإرهاب الناعم

خيري منصور

يأخذنا ما تتداوله الميديا وبعض المثقفين في هذه الآونة عن القوة الناعمة بالمعنى الذي اقترحه واشتق المصطلح الدقيق الدال عليه جوزيف ناي إلى ظواهر عديدة منها ما يوصف بالخشن مقابل ما يوصف بالناعم، سواء تعلق الأمر بالدبلوماسية التي فقدت سلاستها ونعومتها التقليدية وتعسكرت وارتدت الخوذة أو بالإرهاب الذي يتسع أيضاً لعدة مستويات من التعبير، وإذا كان الإرهاب بكل وحشيته وخشونته بات معروفاً وأُعلنت عليه حرب كونية، فإن هناك نوعاً أو نمطاً فيه يندرج في قائمة المسكوت عنه؛ لأنه ليس سياسياً؛ بل هو من صميم الواقع الاجتماعي، ويتلخص في ترهيب المثقفين وإصابتهم بعدة فوبيات، إذا اقتربوا مما يتصور البعض أنه خطوط حمر، وحتى وقت قريب كان ثالوث السياسة والدين والجنس محرماً في ندوات ثقافية ومقاربات إعلامية، ما أتاح للخرافات أن تتسلل لتحل مكان نصوص ومرجعيات، رغم أن المفهوم الواسع للسياسة والدين والجنس يحرر هذه المفاهيم من كل ما علق بها من شوائب، فالإنسان كما عرفه أرسطو حيوان سياسي وليس ضاحكاً أو مفكراً كما يقال!
والسياسة مناهج ورؤى تشمل أنشطة الحياة كلها، لهذا هناك سياسة تربوية وأخرى إدارية وثالثة تعليمية، تماماً كما أن مصطلح الفلسفة لم يعد حكراً على المشتغلين في الحقل الأكاديمي، فهناك أيضاً فلسفة تعليمية وفلسفة صحية وفلسفة عمرانية.
والإرهاب الناعم قد لا يكون مرئياً بوضوح؛ لكنه مبثوث كالرائحة في مقولات يتم تداولها بمعزل عن دلالاتها الدقيقة، وقد تتحول إلى أيقونات في مجتمعات تصل نسبة الأمية فيها إلى ما يتخطى الخمسين أو الستين في المئة.
والإرهاب الناعم تفرزه تقاليد وعادات متوارثة، منها ما فقد صلاحيته بسبب التطور. وإذا كان هناك تصور أو تهرب ثقافي من فحص ظواهر في حياتنا خصوصاً ما يتعلق منها بالتربية والنسيج الاجتماعي، فإن مرد ذلك أو جزءاً منه على الأقل إلى الإرهاب الناعم، الذي يدفع المثقف إلى تجنب قضايا؛ خشية من التأويل السلبي أو التّصيّد!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى