مقالات عامة

تظاهرات الشارع الإيراني: «فكروا فينا»

د. عبدالعظيم محمود حنفي

خرجت تظاهرات شعبية كبيرة في معظم المدن الإيرانية؛ احتجاجاً على ارتفاع الأسعار؛ بعد إعلان حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني زيادة أسعار الوقود والخبز وكثير من مكونات السلة الغذائية الأساسية للمواطن الإيراني، ما حمّل المواطن الإيراني، سيما الطبقة الوسطى، ما لا يطيقه في بلد يمتلك ثروات طائلة من النفط والغاز، ولا حجة له بعد امتلاء خزائنه بالمليارات؛ إثر رفع العقوبات المالية الدولية عنه منذ أكثر من عامين بعد الاتفاق النووي.
تظاهرات الشارع الإيراني هتفت: «الموت لروحاني» و«الموت للدكتاتور». و«غادروا سوريا.. فكروا فينا»، في انتقاد لنشر إيران قوات في سوريا، في الحرب الأهلية الدائرة هناك منذ عام 2011. وتلك التظاهرات سبقتها في الأشهر الأخيرة احتجاجات وإضرابات نظمها، في الأشهر الأربعة الأخيرة، معلمون وعمال. فلا يكاد يمر يوم خلال الأشهر الماضية دون احتجاجات أو إضرابات في مدن مختلفة، خاصة في طهران والأهواز؛ لكن يتم قمعها بالقوة. ويعتقد كثير من الإيرانيين أن وضعهم الاقتصادي لم يتحسن؛ بسبب الفساد وسوء الإدارة، ووفق مركز الإحصاءات الإيراني، فإن نسبة البطالة بلغت 12.4 في المئة خلال السنة المالية الجارية، ما يمثل ارتفاعاً نسبته 1.4 في المئة عن العام الماضي، وهناك نحو 3.2 مليون عاطل عن العمل في إيران، التي يبلغ عدد سكانها 80 مليوناً. ولا تكاد الصحف الإيرانية تخلو من قصص وحكايات الفساد، على سبيل المثال، في 22 ديسمبر/كانون الأول عام 2016، نشرت صحيفة «آرمان» الإيرانية في افتتاحيتها، مقالاً للحقوقي والأستاذ الجامعي «علي أكبر غرجي»، تعرض فيه لأسباب تفشي الفساد في جميع قطاعات الدولة في إيران، وتداعيات ذلك علي المجتمع الإيراني؛ حيث رأى «أن جذور الفساد ومنابعه أصبحت كثيرة ومختلفة للغاية، وأن جزءاً من أسباب هذا الفساد الإداري، والمالي والاقتصادي ينبع من البحث وراء المصالح الشخصية، وعدم الاكتراث بالمصلحة الوطنية. وبعبارة أخرى، إن الفساد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى التزام المسؤولين عن السلطة بالقواعد الأخلاقية»، إضافة إلى العوامل الأخرى، وعدم مساءلة المخطئين.
إن فساد السلطة القضائية، موضع اهتمام في الصحف الإيرانية، وفي البرلمان الإيراني؛ لأنه تهديد وجودي للنظام الإيراني، وسبق أن اتهم النائب البرلماني محمود صادقي، وزير العدل صادق لاريجاني المقرب من المرشد الأعلى بامتلاك 63 حساباً بنكياً شخصياً فيها ألف مليار تومان، وعائدها الشهري يبلغ 22 مليار تومان؛ حيث يجري إيداع مبالغ كبيرة من أشخاص غير حقيقيين في هذه الحسابات، ورفع دعوى قضائية ضده جرى على إثرها إلقاء القبض على 11 من مديري الإدارات الحكومية؛ بتهمة الاختلاس. وفي البرلمان الإيراني، قال النائب تقوي حسيني: «تم انتزاع 8000 مليار تومان من صندوق الادخار للتربويين، وتم تسليف 30 شخصاً من هذا المبلغ دون أخذ كفالات موثوقة، وهي من الصناديق الواضحة للسرقة تحت غطاء التسليف».
وهناك غيرها الكثير من حالات الفساد اليومي الممنهج، وفي الانتخابات الرئاسية أعلن أحد المرشحين، أن إيران يديرها 8% من الشعب الإيراني، و92% يعانون أشد المعاناة.
وقد طالبت مراكز دراسات أمريكية عدة، باستغلال تسونامي الفساد في إيران؛ عبر تكثيف الجهود الأمريكية؛ لإنفاذ قوانين مكافحة الفساد ضد الشركات، التي تتعامل مع إيران، وتشجيع الدول الأخرى على أن تحذو حذوها. وتقول إنه في التسعينات من القرن الماضي، بدأ عدد من البلدان بوضع تشريعات؛ لمكافحة الفساد، وجاءت الخطوة الأولى في عام 1997؛ عندما صادقت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) على «اتفاقية مكافحة رشوى الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية»، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 1999. وتُعرِّف الاتفاقية مصطلح «الرشوة» على نطاق واسع جداً؛ حيث لا يقتضي من البلدان التعاون في هذه الأنواع من التحقيقات فحسب؛ بل يترتب عليها أيضاً فرض عقوبات حقيقية على شركات ثبت بأنها قامت بانتهاك تلك الاتفاقية. واعتباراً من آذار/مارس 2009، كانت جميع الدول الـ30 الأعضاء في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، إضافة إلى ثماني دول أخرى، قد وقعت على هذه الاتفاقية، وأقرت التشريعات الخاصة؛ لتنفيذها.
وقد سبق أن استخدمت الولايات المتحدة «قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة» سابقاً؛ لاستهداف الفساد، الذي قامت به الشركات الأجنبية في إيران؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2006، توصل عملاق الطاقة النرويجية «شتات أويل» إلى تسوية مع الحكومة الأمريكية وافق خلالها على دفع 21 مليون دولار، والقيام بتعيين مدير مستقل لشؤون الامتثال؛ للتحقيق في الانتهاكات المختلفة لـ «قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة». وقد اعترفت شركة «شتات أويل» بأنها كانت قد دفعت في عامي 2001 و 2002، ملايين الدولارات لمسؤول إيراني عندما سعت الشركة لاقتحام سوق قطاع الطاقة الإيراني المربح. وقد وثق مسؤولو «شتات أويل» بإمكانية ذلك المسؤول في توجيه عقد تطوير حقل «يارس الجنوبي»، (أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم) إلى شركتهم. وفي وقت لاحق، تم في الواقع منح العقد إلى «شتات أويل».
وخلافاً للانطباع الذهني القائم عن الزعماء الإيرانيين كمتعصبين أيديولوجيين، يكرّس القادة الإيرانيون الكثير من جهودهم لملء جيوبهم، وفي أكثر الأحيان يكافحون بشراسة؛ لحماية دخلهم بدلاً من أفكارهم. فعلى سبيل المثال، فصائل «الحرس الثوري» القوية، التي هي الركيزة الأساسية لإيران، والتي تعد ركناً أساسياً من أركان فسادها على حد سواء، تقوم بملء جيوبها؛ من خلال الصفقات المشبوهة، التي توقعها، وكذلك باستخدام قوتها الغاشمة. وبإمكان الاقتراح حول زيادة التركيز من قبل الولايات المتحدة وعدد من البلدان الصناعية القوية الأخرى، ردع العديد من الشركات بصورة كافية؛ بحيث تتوقف عن التعامل تجارياً مع إيران.
وفي شهادته أمام الكونجرس، شدد ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي، على أن الولايات المتحدة «يجب أن تعمل على دعم العناصر الموجودة داخل إيران، التي يمكن أن تقود عملية انتقال سلمي للحكم فيها».
والجميع يتذكر «الثورة الخضراء» في إيران عام 2009، بعيد انتخاب محمود أحمدي نجاد تحت شعار: «أين صوتي».

mahmoudhanafia@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى