مقالات عامة

حسابات انتخابية

عاطف الغمري

تظل قوة الدفع الرئيسية وراء قرار الرئيس دونالد ترامب، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعتبارها عاصمة لـ«إسرائيل»، تحتاج تعمقاً في عالم إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فيما يتعلق بالتحيز المطلق والاستفزازي لـ«إسرائيل».
وفي هذا العمق، نرى ضوءاً كاشفاً على دور التجمع السياسي الذي عرف باسم اليمين المسيحي، وهي طائفة يطلق عليها بالإنجليزية Evangelicals، وهم من يعتبرهم ترامب الآن قاعدته الانتخابية، الذين ساندوه بقوة في انتخابات عام 2016. وترجع أهميتهم من زاوية حساباته الانتخابية، إلى أنهم يلتزمون بتعليمات قياداتهم بالنزول جماعياً إلى صناديق الاقتراع، للتصويت لصالح من اتفق تنظيمهم على انتخابه. وتقول التقديرات إن 80% منهم ذهبوا إلى صناديق الانتخابات، وأعطوا أصواتهم لترامب، وهي نسبة لا تكتمل عادة لأي تجمع سياسي منظم.
هؤلاء يحملون شعاراً ينادون به بلا كلل، وهو أن تكون القدس عاصمة ل«إسرائيل»، ثم أنهم من أهم ممولي الاستيطان في الضفة الغربية، وتساندهم منظمات ومراكز بحوث، ويمولهم أصحاب البلايين من رجال المال والصناعة، الذين يتفقون معهم في أفكارهم.
هم أصحاب عقيدة تؤمن بأن «إسرائيل» جزء من هذه العقيدة الدينية، وتقوم على تصور وقوع معركة بين «إسرائيل» والدول العربية يطلقون عليها اسم «أرمجدون» أو «هرمجدون»، ويتخيلون أن تنتصر فيها «إسرائيل»، وعندئذ تحدث العودة الثانية للسيد المسيح إلى الأرض، وأن عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل»، سوف يؤخر عودة المسيح.
وبالرغم من هذا الشطط الحاد في التحيز من جانبهم ل «إسرائيل»، فإن اليهود يرفضون أفكارهم، لأنهم يقولون إن اليهود في هذه الحالة سوف يدخلون الديانة المسيحية. وكما هو واضح فإن أفكارهم بعيدة عن الحسابات السياسية، لكنها تمثل عقيدة لمذهب ديني، وهم يمتلكون عشرات الشبكات التلفزيونية ومحطات الراديو، للترويج لأفكارهم، ومن أبرز قياداتهم القس بات روبرتسون، الذي يبث في قنواته، حملات عدائية صريحة للعرب والمسلمين.
كانت البداية المنظمة لهذا التيار في أوائل الثمانينات عندما تلقى أحد أقطابهم وهو جيرى فولويل، دعماً كبيراً من اليمين الجديد المتعاظم في الحزب الجمهوري، وعندئذ اتفق رموز هذا التيار على تشكيل منظمة أوسع مدى يكون لها نفوذ سياسي أكبر، وعلاقات أوثق مع المؤسسات السياسية في واشنطن. من ثم تأسس الائتلاف المسيحي ومنذ عام 1992، عقب الفوز الساحق للحزب الجمهوري بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ والنواب، فقد صار لهم صوت مسموع سياسياً.
لم يكن معنى ذلك تمتعهم بتأييد جوهري من جانب الشعب الأمريكي، نظراً لتعدد المذاهب المسيحية في الولايات المتحدة، والتي ترفض هذا الفكر. وتصاعد الهجوم عليهم في أعقاب هزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة عام 1996، والتي فاز فيها بيل كلينتون، وهي الفترة التي بدأ فيها تراجعهم، وانتشرت الانتقادات لهم، وللحزب الجمهوري، الذي يضم في صفوفه مثل هؤلاء من أصحاب الاتجاهات المتعصبة، التي تخالف التوجهات العامة للمواطن الأمريكي. واتهمت قياداتهم بأنهم جرفوا الحزب إلى الانغلاق الأيديولوجي، وألحقوا الهزائم بالحزب.
وحسب الوصف الذي استخدمه البروفيسور ويليام مارتن أستاذ دراسات الأديان بجامعة رايس بمدينة هيوستن في تكساس، فإن قطاعات كبيرة من الرأي العام الأمريكي، تنظر إلى بروز هذه الاتجاهات، باعتبارها تمثل تهديداً متزايداً لهوية الدولة.
ومن أخطر ادعاءاتهم ما أعلنوه بأنه يجب على المسيحيين مساندة وتأييد دولة «إسرائيل»، وإلاّ كانوا متواطئين في اعتراض شريعة الله!.
ولما جاء قرار ترامب الاستفزازي، والمنتهك للقانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، وإجماع دول العالم، بل والخروج على القواعد الأساسية التي سبق أن التزمت بها الدولة الأمريكية، بأن وضع القدس لا يتقرر إلاّ في مفاوضات الوضع النهائي، فإن دوافع ترامب لم تنشأ على أساس ديني، لكنها بنيت على حسابات سياسية مجردة، لأنه وجد أن استجابته لدعاوى هذا التيار، تضمن له قاعدة انتخابية مضمونة، ستصوت له في انتخابات الرئاسة القادمة.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى