مقالات عامة

عهد.. وأمن الاحتلال

يونس السيد

تلخص حكاية عهد التميمي حكاية الشعب الفلسطيني كله في صراعه مع الاحتلال، لكن عهد، الفتاة الفلسطينية البالغة 16 عاماً، ابنة بلدة النبي صالح في قضاء رام الله، وسليلة العائلة المناضلة، التي تصدرت منذ سنوات مسيرات المواجهة ضد الاستيطان وجدار الفصل العنصري، آثرت أن تترك بصمتها الشخصية على هذه المسيرة الحافلة، حتى تحولت بحقٍّ إلى «أيقونة» الانتفاضة الشعبية، ورمزٍ من رموز الجيل الجديد في مقاومة الاحتلال.
ربما تكون الأقدار هي التي دفعتها لملاقاة التاريخ وصناعة المجد، وهي الفتاة البريئة الخجولة، كما يروي أهلها، لكن صاحبة الشخصية القوية التي كانت دوماً تبحث عن أيقونة فلسطينية أو عربية أو عالمية لكي تحذو حذوها، وقررت أن تدرس المحاماة للدفاع عن قضيتها، مستلهمة قول غسان كنفاني: «إذا كنتم مدافعين ضعفاء عن القضية، فمن الأجدر تغييركم لا تغيير القضية».
كيف لا وهي ترى بطش الاحتلال وجبروته يفتك يومياً بعائلتها وأبناء شعبها، ويتمادى في ظلمه وقهره وعدوانه، على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي بأسره. وربما هي كل الظروف المحيطة بها وبشعبها جعلتها تنمو وتكبر سريعاً، من دون أن تلتفت إلى مقاعد الدراسة، لتجد نفسها في قلب المعمعة، توجه الصفعة تلو الصفعة لجنود الاحتلال، ومن ورائهم الكيان الغاصب، نيابة عن الشعب والأمة والعالم الحر.
في هذه اللحظة كانت تلك الكف الصغيرة تلاطم الترسانة المدججة بالسلاح كما العين تقاوم المخرز.. لكنها في تلك اللحظة بالذات كانت تكتب تاريخاً جديداً لهذا الصراع.. شعب أعزل يفرز في خضم المواجهة جيلاً جديداً لقيادة الكفاح.. وخزياً مدوياً لكيان لم يكن قوياً في يوم من الأيام إلا بسبب ضعفنا، وجيش كان لا يقهر.. وقهرته فتاة اسمها عهد التميمي.
المشهد كان ينتقل سريعاً بالصورة والصوت إلى معظم أنحاء العالم، وفي محكمة الاحتلال، ظهرت عهد.. بابتسامتها الواثقة، وهدوئها المعهود لتقول لجلاديها: «أنا أقوى منكم»، وهي تدرك أن الاحتلال اعتقل أمها عندما لحقتها للسؤال عنها، كما اعتقل والدها عندما ذهب للسؤال عنها وعن والدتها، وعندها لم تجد «عدالة» الاحتلال وديمقراطيته الفريدة من نوعها في العالم سوى توجيه 12 تهمة لعهد، أقلها أنها تشكل خطراً على أمن «إسرائيل». وبكل العنفوان والشموخ، ردت عهد بالابتسامة ذاتها، التي جعلت من الكيان ومحكمته وجيشه مجرد «أقزام» صغار أمام طفلة عملاقة ولدت من رحم الغضب الفلسطيني.
الصفحة لم تُطوَ بعد، وكتاب التاريخ لا يزال مفتوحاً لعهد وجيل عهد الذي لم يتردد أو ينتظر حسابات السلطة والفصائل التي أتعبها التاريخ القريب والبعيد، حتى لكأنها أصبحت خارجه..
هذا الجيل الجديد قرر أخذ زمام المبادرة، والتصدي للاحتلال والاستيطان وقرارات ترامب، وإسقاط كل الأوهام والتسويات التي لم يعد لها أي معنى.

younis898@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى