مقالات عامة

طلاق التاريخ والجغرافيا

خيري منصور

مرَّ كوكبنا بفترات شغلته فيها الجغرافيا عن التاريخ، ولم يكن قد تطور إلى حدّ يستطيع معه تفسير ظواهر هذا الكون وما يحدث فيه من كوارث طبيعية، فابتدع الأساطير وجعل لكل عنصر من عناصر الطبيعة إلهاً، كما فعل الإغريق القدماء.
وبالمقابل مرت فترات انشغل فيها العالم عن الجغرافيا بالتاريخ خصوصاً بعد أن تسلحت الأيديولوجيات وتصارعت وانتهت إلى حروب عالمية.
وبعد أكثر من ألفي عام مرّت على التفسير الأسطوري للجغرافيا يصدر، في القرن الحادي والعشرين، كتاب يوحي عنوانه بأنه من الأساطير وهو «انتقام الجغرافيا» لروبرت كابلان؛ لكن الحقيقة غير ذلك تماماً، فالجغرافيا أو المناخ والبيئة عندما تمارس انتقاماً ضد البشر الذين انتهكوها، ولوثوها وأساؤوا التعامل معها تماماً كمن يلقي حجراً في البئر التي يشرب منها. وما ينشر من معلومات بمختلف لغات العالم عن مستقبل هذا الكوكب المهدد بأن يتحول إلى جحيم لا يطاق نادراً ما يجد اهتماماً أو يدرج في قائمة الأولويات وأحياناً تتدخل السياسة في ذلك، كما حدث بانسحاب أمريكا من اتفاقية المناخ في باريس، رغم أن ما يهدد الحياة والاستقرار في كوكبنا ليس حكراً على بلد أو حتى قارة؛ لأنه عابر لكل الحدود كالوباء الذي يتفشى. وما يشغلنا الآن عن الجغرافيا وانتقامها وما سوف يؤول إليه الحال في المدى المنظور هو التاريخ، لكن في أشد أبعاده سلبية وهو بعد الصراع والنزاعات والحروب!
إننا نتذكر في سياق كهذا لوحة رسمها الفنان الإسباني غويا قبل زمن طويل عن رجلين يتصارعان ويشهر كل منهما سلاحه في وجه الآخر رغم أنهما يغوصان في دوامة سوف تبتلعهما معاً!
وهذا التناوب بين التاريخ والجغرافيا عبّر عنه أحد أبرز المؤرخين في القرن العشرين بعبارة مكثفة هي أن الجغرافيا ليست في النهاية سوى تاريخ تصلب وتحول إلى تضاريس؛ لأن ما يوجه بوصلة التاريخ ويتحكم بمفاعيله ونزاعاته هي الجغرافيا أولاً وأخيراً!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى