مقالات عامة

قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية

د. غسان العزي

منذ قانون العام ١٩٨٦ درجت العادة السنوية أن يقدم البيت الأبيض للكونجرس وثيقة تتضمن استراتيجية الأمن القومي التي تصنف «المصالح والأهداف والغايات العالمية» لواشنطن مع «الاستخدامات المقترحة على المديين القصير والطويل للعناصر السياسية والاقتصادية والعسكرية» الآيلة لتحقيق هذه الأهداف. وتساهم في صياغة هذه الوثيقة مؤسسات عديدة مثل وزارات الخارجية والدفاع والمالية ومكتب التجارة الخارجية وال«سي.آي.ايه» وغيرها، وتخدم كقاعدة عامة وثائق استراتيجية أخرى أكثر تخصصاً وتفصيلاً. وهي تحدد التوجه العام للسياسة الأمنية سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري.
وهكذا، فبعد أن كانت تصرفات الرئيس ترامب في السنة الأولى من حكمه تتسم بالتخبط باتت له استراتيجية للأمن القومي مكتوبة في وثيقة رسمية نشرت في ١٨ من الشهر المنصرم. فعلى غير ما درجت عليه عادة الرؤساء السابقين أعلن ترامب عن هذه الاستراتيجية بنفسه في خطاب يشبه كثيراً خطاباته الانتخابية التي طالما كرر فيها مقولات «أمريكا أولاً» و«إعادة أمريكا إلى مجدها» وما شابه، الأمر الذي دفع المعلقين للقول بأنه إنما يتوجه في هذه الاستراتيجية إلى قاعدته الانتخابية للمحافظة عليها. في هذه الوثيقة أعلن ترامب «افتتاح حقبة جديدة من التنافس بين الأمم» قائلاً بأعلى الصوت «أعلن أننا في السباق من أجل أن نكسبه. مع هذه الاستراتيجية أدعو إلى نهضة أمريكية جديدة» دون أن ينسى كيل الانتقادات إلى كل الرؤساء الذين سبقوه متهماً إياهم بإهمال شؤون وتطلعات الشعب الأمريكي بسبب الانكباب على مصالحهم الخاصة على حساب المصلحة القومية.
جاءت هذه الوثيقة في ٥٥ صفحة أي أطول من العادة، بالمقارنة مع وثائق ريجان (٤١ صفحة) أو بوش الابن (٣١ صفحة) أو أوباما (٢٩ صفحة) على سبيل المثال. وهي تنقسم إلى أربع أولويات أو عناوين هي: حماية الشعب الأمريكي والوطن وطريقة عيش الأمريكيين، تدعيم الازدهار الأمريكي وتقوية الاقتصاد، المحافظة على الأمن عن طريق القوة، تقدم النفوذ الأمريكي من أجل تأمين المصالح الأمريكية.
وقد وردت مفردة الإرهاب ٥٨ مرة في الوثيقة التي تعهدت «بهزيمة الإرهاب الجهادي» وذلك على غرار كل وثائق الأمن القومي منذ تفجيرات ١١ سبتمبر ٢٠٠١. لكن يلاحظ المراقب أنه منذ هذا التاريخ قتل «الجهاديون» ١٠٣ أمريكيين في الولايات المتحدة، في حين قتل اليمين المتطرف ١٦٨أمريكياً في الفترة نفسها وقتلت المخدرات أكثر من ٥٩ ألفاً في العام ٢٠١٦ وحده، وفي كل عام ينتحر حوالي ٤٣ ألف شخص في الولايات المتحدة. في حين يبلغ عدد الذين يقتلون بالسلاح المتفلت على يد أمريكيين آخرين 73711 سنوياً.
هذه الأرقام إن دلت على شيء فعلى أن استراتيجيات الأمن القومي لم تواجه التحديات والمشاكل الحقيقية، وما يقوله ترامب حول «أمريكا أولاً» ليس سوى مبدأ في السياسة الخارجية لكنه لا يحمي الأمريكيين كما تؤكد وثائق الأمن القومي التي ما انفكت تستخدم الإرهاب ستاراً يخفي خلفه المشاكل التي لا تريد الإدارة الأمريكية مواجهتها.
رغم كل شيء تبدو الوثيقة الجديدة – على الورق أقله – أكثر واقعية من النسخة المثالية في عهد أوباما لأنها لا تركز كثيراً على «القيم الأمريكية» بل على الخصوم كروسيا والصين. وقد حيت افتتاحية الـ«وول ستريت جورنال» «الواقعية السياسية للوثيقة ووصفها روسيا والصين بالقوتين الرجعيتين اللتين تسعيان إلى تحدي سلطة ونفوذ الولايات المتحدة».
ولكن بمجرد أن تصنف هاتين القوتين العظيميين كخصوم فإنها تضعهما في مستوى الولايات المتحدة ما يعني الاعتراف الضمني بنهاية هيمنة هذه الأخيرة التي حاولت دائبة فرضها على العالم منذ نهاية الحرب الباردة. وتريد أمريكا أن تتمايز بدليل قرار الاعتراف بالقدس عاصمة ل «اسرائيل» ونقل السفارة الأمريكية لها ثم استخدام حق النقض-الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار مغاير أيده كل الأعضاء الآخرين بمن فيهم حلفاء أمريكا مثل بريطانيا وفرنسا، قبل أن يأتي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة معارضاً لإرادة واشنطن، وهذا ليس من علامات القوة العظمى بقدر ما هو من علامات الدول المنبوذة والمعزولة.
نهاية عصر الهيمنة الأمريكية خبر جيد للاستقرار الدولي، ذلك أن واشنطن سبق واستفادت من غياب معارضين ذوي شأن لها لشن حروب عديدة في العالم. فقد تدخلت عسكرياً ٤٦ مرة بين العامين ١٩٤٨ و١٩٩١ ليرتفع هذا العدد الى ١٨٨ بين ١٩٩٢ و٢٠١٧ دون أن يتكلل معظم هذه التدخلات بالنجاح أو يحصد ثماره السياسية المنتظرة. فترة «الهيمنة الأمريكية» كلفتها الكثير من المال والطاقة والسمعة السياسية والهيبة من دون أن تعود عليها بنفع يذكر.
رغم ذلك تعد الاستراتيجية الجديدة ب «زيادة النفوذ الأمريكي» في العالم وذلك بالقوة ومن ضمنها النووية إذا تطلب الأمر، وتتجاهل التغير المناخي وخارطة الطريق الدولية في مسائل البيئة والمناخ. وتكرس إدارة ترامب الكثير من الموارد للجيش والتسلح والقليل منها للإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية في السياسة الخارجية.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى