مقالات عامة

حملة تصفية فلسطين

مفتاح شعيب

لا يفوت حزب «الليكود» المتطرف أي فرصة للكشف عن واحد من وجوهه العنصرية، وفي غمرة الانتشاء بالدعم الأمريكي، وبدفع من قرار دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل»، صوَّت أعضاء هذا الحزب بأغلبية على قرار يقضي بضم مستوطنات الضفة والقدس المحتلتين إلى «إسرائيل» ضمن خطة مفضوحة تعمل على تصفية الوجود الفلسطيني واجتثاث هويته، باتجاه إخراجه كلياً من المعادلة واستكمال مشروع التهويد الواسع الذي تباشره بقوة حكومة بنيامين نتنياهو.
خطوة «الليكود» لم تأتِ من فراغ، بل جاءت استكمالاً لما سبق، واستثماراً للأجواء الإقليمية المشغولة بهمومها الكثيرة، ولم تمضِ ساعات على القرار الليكودي «الرمزي»، حتى صادق «الكنيست» على قرار لاحق يجعل من المستحيل على أي حكومة «إسرائيلية» تسليم الفلسطينيين أجزاء من القدس في إطار أي اتفاق «سلام» مستقبلي. وتقول المؤشرات إن هذه الخطوات هي أول السيل في حملة واسعة النطاق للإجهاز على الحقوق الفلسطينية بعد تلقيها «ضوءاً أخضر» من وراء أعالي البحار، بما يسمح للنخبة المتطرفة الحاكمة في «إسرائيل» بالمضي في سياسة التجاهل للمقررات الدولية والرد على بعضها بالدوس على توصياتها. فقد جاء قرار حزب «الليكود» رداً على قرار مجلس الأمن الدولي «2334» الذي اتخذه في نهاية 2016، واعتبر المستوطنات القائمة في الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1967 غير شرعية، وقد رفض نتنياهو القرار فور صدوره وتعهد بالرد عليه، كما هاجمه ترامب قبل توليه السلطة، وتعهد أيضاً بتجاهله وعدم العمل به.
الحملة تشتد، وبالمقابل لا يجد الفلسطينيون غير الجأر بالشكوى، والتعهد بالتصدي لكل هذه الإجراءات المسعورة التي كان آخرها تلويح الإدارة الأمريكية بوقف المساعدات المخصصة للفلسطينيين لأنهم «لم يعودوا مستعدين للمشاركة في محادثات السلام»، و«السلام» المقصود هو التسليم بما تمليه الإرادة الأمريكية-«الإسرائيلية» في هذه القضية. وبالطبع رفضت السلطة الفلسطينية هذا الابتزاز الجديد وأكدت على لسان الناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، «أن مدينة القدس ومقدساتها ليست للبيع لا بالذهب ولا بالفضة».
الأمر الذي يتحاشى كثيرون الاعتراف به هو أن «عملية السلام» المعروفة قد انتهت وفق أسسها المعروفة وتحديداً بناء على «اتفاقيات أوسلو»، والآن يراد البحث في «عملية» بديلة تطلق مساراً جديداً يفرض على الجانب الفلسطيني جملة من الشروط، يجب أن يقبلها كلها، وجوهرها الأساسي التنازل عن القدس ونسيان حق العودة، ومن ثم تبدأ مفاوضات بناء الدولة الفلسطينية، ومن المرجح أن يدخل هذا المسار في نفق طويل يمتد لسنوات طويلة، حتى تولد ظروف أخرى تسمح ل «إسرائيل» وحلفائها فرض أمر واقع جديد، وعندها لن تنعدم لديهم الحيل. أما النتيجة النهائية فهي تصفية القضية الفلسطينية تصفية تامة ويتم إدخالها في التاريخ، بعد أن يتم شطبها من جغرافيا المنطقة.
المخطط «الإسرائيلي» طويل ومتعدد الفصول والحقب، وهو يتكيف بحسب ما يحيط به من تطورات ومعطيات، ولكنه يسير وفق خطة انطلقت منذ بداية القرن الماضي. ومن المفارقة أنه في عام 2010 أصدر مخرج «إسرائيلي» فيلماً سينمائياً صور فيه نهاية هذا الكيان، ومن المفارقة أن أحد المنظرين لقيام «إسرائيل» أشار في ستينات القرن العشرين إلى أن تهويد كامل فلسطين سيكون بحلول الذكرى المئوية الأولى لتأسيس «إسرائيل» عام 2048. وبينما يضع هؤلاء المغتصبون الفرضيات السارة والسيئة بالنسبة إليهم، يتجاهلون أن الشعب الفلسطيني ليس الهنود الحمر، وسيعرف كيف يقلب الخريطة في الوقت المناسب مدعوماً بأمته العربية العريقة التي ستنهض حتماً من كبوتها وتتحد من أجل فلسطين.

chouaibmeftah@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى