مقالات عامة

سجن الثنائيات

خيري منصور

كيف يمكن لأية جماعة بشرية أن تحقق ولو الحد الأدنى من التعايش والسِّلم الأهلي، إذا كانت أسيرة الثنائيات في تفكيرها، وتصنيفها للعالم؟
إن مثل هذه الحديّة والراديكالية العمياء لابد أن تؤدي إلى صراعات لا آخر لها، وإلى أزمات عندما تشتد تنفجر، ولا تنفرج.
فالبشر ليسوا نمطين من ملائكة وشياطين، ومن خونة وأبطال، ومن حكماء وحمقى.
وقد يكون أحد أسباب تفاقم النزاعات على اختلاف أسبابها وذرائعها في العام العربي، هو الارتهان الذهني للثنائيات، لأنها توهم ضحاياها بأنهم إما على حق مطلق، أو باطل سافر.
ومن هنا نشأت ظواهر بالغة السلبية، منها الاحتكار والإقصاء، فمن يصنّف الطرف الذي ينتسب إليه على أنه معصوم تصبح أخطاؤه خطايا، وتأخذه العزة بالإثم فلا يعرف ثقافة الاعتذار، وأدبيات الاعتراف بالآخر، وبحقه في الاختلاف.
وتساهم بعض الفضائيات العربية التي لم تتحرر من جاذبية الأرضيات وكمائن الاستقطاب والتصيّد، في ترسيخ الثنائيات. فالعرب كما يرى بعض هؤلاء من الغلاة، إما خونة يفرطون في الثوابت الوطنية، أو أبطال يحتكرون الوصاية على كل شيء، بدءاً من المقدّس السماوي حتى المدنّس الأرضي والدنيوي.
كيف يمكن لنا أن نتفاهم إذا كانت مفردات هذا المعجم تسجن العقل في الجبس، أو في الحذاء الصيني الحديدي، كي لا ينمو تماماً كما لو أنه أقدام؟
إن واحداً من أهم منجزات العقلانية في مختلف النهضات هو البعد الثالث، واكتشاف المساحة الرمادية بين الأبيض والأسود، فهناك درجة أو منزلة كما قال فقهاؤنا وبلغاؤنا معاً بين منزلتين.
والآخر ليس عدواً، أو صديقاً فقط، وما من بشري يملك حق منح صكوك الغفران، أو منعها. وقد لا نبالغ إذا قلنا بعد استقراء معمق لتاريخنا أن سجن الثنائيات كان أحد أسباب التعثر وإجهاض بشائر التنوير، لأنه يحرم الإنسان من فضاءات ومساحات تمتد بين الأضداد.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى