مقالات عامة

سر الانقلاب التكنولوجي

بيير بنتاتا *

السبب الرئيسي الذي يرجع إليه الانقلاب التكنولوجي أو المؤسسي، هو ما يسميه خبراء الاقتصاد «بالابتكار».
التطور الكبير الذي بدأ قبل قرنين، ولا يتوقف عن التسارع أمر ثابت في التاريخ الاقتصادي، فالأماكن الأكثر ازدهاراً كانت دائماً مفتوحة على العالم، وتقع مراكزها بالقرب من الأنهار الكبيرة أو الساحل. وليس هناك ما يدعو للدهشة حول هذا الأمر، لأن السبب بسيط جداً ويعود إلى التجارة، سواء تركزت داخل وطن ما أو امتدت على الصعيد العالمي، وكذلك تيسر عملية التخصص وتقسيم العمل وتوفر الفرص الجديدة. ومثلما كان السابقون يستوردون التوابل والفواكه التي لا يمكنهم زراعتها على أرضهم ها نحن اليوم نستورد المواد النادرة الضرورية التي لا توجد فعلاً إلا في أماكن خاصة جداً لتصنيع أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، وفي الوقت نفسه، أصبحنا نركز على ما نقوم به بشكل أفضل.
وهكذا، أصبحت الاقتصادات الوطنية المختلفة تتخصص، ويزيد ترابطها. ولأننا بتنا متخصصين، فقد أصبحنا قادرين على إنتاج أفضل وأسرع وبتكلفة أقل. ونتيجة لذلك، صرنا قادرين على ادخار الموارد النادرة وخاصة الوقت فالتجارة ضمان للرخاء وتحسين الظروف المعيشية.
من ناحية أخرى، بات من مستلزمات ومحركات النجاح فهم الآخر ووضع أنفسنا في مكانه والعثور على وسائل لإرضائه. ويمكن القول، إن كل أصحاب المشاريع في نفس القطاع يتنافسون لتلبية احتياجات عملائهم ومن ينجح ويستمر في النجاح هو من يقدم أفضل خدمة وبأقل تكلفة. ولذا أصبح التخصص بالنسبة للفرد يتمثل في معرفة تقديم الأفضل. وينطبق الشيء ذاته على الصعيد القطري. ونتيجة لهذا النهج، أصبحت حرية التجارة أساسية؛ فأي عائق أمام التجارة يقلل من رفاهية الجميع، لأن آلية المكافأة والمعاقبة عند أصحاب المشاريع باتت ضعيفة. ولهذا السبب، فإن من يسمّون بـ «الكلاسيكيين» أو «الآباء المؤسسين» للاقتصاد يحبذون فتح الحدود، لأنه يترتب عليها المنافسة الدولية. ففي بلد مثل فرنسا، يعتبر رجال الاقتصاد أمثال تورجو وجان باتيست ساي أو فريدريك باستيا، بمثابة الرسل المنادين بهذا التفكير الجديد، ومحاربة مبدأ الحماية، وقد كان هؤلاء يتشككون من أي شكل من أشكال الاستعمار، ويعارضون العبودية، وينادون بإلغاء جميع أشكال الاستئجار حتى تعرف الإنسانية مصيراً مشتركاً بين الشعوب.

* خبير اقتصادي في الإكسبرس الفرنسية

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى