مقالات عامة

تحديات الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي

د. إدريس لكريني

مع تزايد حدّة التضييقات والضغوط التي بات يتعرّض لها تنظيم «داعش» في كل من سوريا والعراق، خلال الفترات الأخيرة، تنامت المخاوف الدولية من عودة مرتقبة لعدد من المقاتلين إلى بلدانهم، أو إلى عدد من مناطق التوتر في العالم والتي أصبحت تشكل عامل جذب لهذه الجماعات، بالنظر لغياب الأمن وضعف الدولة المركزية.
وفي منطقة الساحل الإفريقي، تشير الكثير من التقارير إلى أن التنظيمات الإرهابية ما زالت تشكّل خطراً حقيقياً على أمن واستقرار المنطقة، وبخاصة مع تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في مالي، حيث تقوم من حين لآخر بعمليات مسلحة نوعية.
ورغم الأعداد المحدودة للإرهابيين المستقرين في هذه المنطقة، والتي تقدر بحسب بعض المراقبين بأقل من ألف مقاتل، بعد العمليات العسكرية التي قادتها القوات الفرنسية في مالي، فإنهم ما زالوا يشكلون خطراً على استقرار المنطقة..
بمبادرة من الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، شهدت العاصمة باريس في الآونة الأخيرة لقاءً مهمّاً جمع حوالي عشرين زعيماً لقادة دول إفريقية وأوروبية من ضمنهم رؤساء دول الساحل الخمس التي تضمّ كلاً من بوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد، إضافة إلى ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي باعتبارهم شركاء، ثمّ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لتدارس تعزيز القوات المشتركة التي ستتكلّف بمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل.
وقد لوحظ غياب الجزائر عن القمّة، رغم حدودها الممتدة مع دول الساحل.
وجدير بالذكر أن الدول الخمس قامت في بداية عام 2017، بإنشاء هذه القوات لمواجهة التهديدات الإرهابية وبسط الأمن في المناطق التي تستقر فيها هذه الجماعات أو تجعل منها قاعدة لتنفيذ عملياتها، ويقع مقر قيادة هذه القوات في «سيفاري» بدولة مالي، حيث قامت قبل بضعة أسابيع بأولى عملياتها على الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي الخطوة التي لقيت موافقة وتثميناً من قبل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي بموجب بيانه الصادر في 13 إبريل 2017، وكذا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من خلال قراره رقم 2359 2017.
تأتي القمة في أعقاب عدة لقاءات، كقمّة باماكو بتاريخ 2 يوليو/ تموز 2017، والاجتماع المهم الذي انعقد بنيويورك في 8 سبتمبر/ أيلول 2017 حول الموضوع، كما تأتي أيضاً بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2391 والذي اتخذه في جلسته 8129 المنعقدة بتاريخ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2017، والتي أعرب فيه عن قلقه البالغ من التهديدات العابرة للحدود التي يشكّلها الإرهاب والجريمة المنظمة، وتهريب المهاجرين في منطقة الساحل والتي تهدّد السلم والأمن الدوليين، وعن إدانته للاعتداءات التي تطال دول الساحل وتستهدف المدنيين وعدداً من المسؤولين والقوات العسكرية الوطنية والأممية.. فيما رحّب بالجهود التي تبذل في إطار المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل على مستوى تنسيق الجهود لمواجهة الإرهاب ومختلف الجرائم العابرة للحدود، بما في ذلك السعي لإحداث قوات مشتركة.
وحمّل المجلس الدول الخمس مسؤولية إمداد القوة المشتركة بالموارد الكافية، مع دعوة مختلف الشركاء الدوليين إلى تقديم الدعم الإضافي من مساعدة لوجستية وعملياتية ومالية، بما يسهم في تحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة، مرحّباً بالالتزامات التي تقدمت بها عدد من الجهات المانحة على مستوى توفير التدريب وتعزيز القدرات الأمنية للقوات الوطنية في المنطقة (مالي والنيجر..) مع التأكيد على الدّور الفرنسي في هذا الخصوص، والدعوة إلى تجاوز النقص الحاصل في القدرات الرئيسية للبعثة الأممية إلى مالي، للمضي قدماً في تنفيذ مهامها على أحسن وجه.
كما أكّد أيضاً، أن تحقيق السلام في منطقة الساحل، يظلُّ مشروطاً بتطبيق اتفاق السلام والمصالحة في مالي تطبيقاً كاملاً وفعّالاً وشاملاً من قبل كل الأطراف المعنية. مبرزاً أهمية الموازنة والجمع بين مكافحة الإرهاب في مالي ومنطقة الساحل من جهة، وبين العمليات السياسية الجارية من جهة ثانية.
سعت القمة إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، أولها يتركّز في ضمان الدعم السياسي والعسكري للقوات المشتركة، والثاني، يتّصل بتوفير الإمكانات المالية اللازمة لعمل هذه القوات، والثالث، يرتبط بالبحث في السبل الكفيلة بالدفع بعملية السلام في مالي الذي لم يترسخ، رغم الجهود الأممية والإقليمية المبذولة في هذا الصدد.
تصرّ فرنسا التي يتمركز زهاء 4000 جندي من قواتها في المنطقة، على تحقيق نتائج مهمة على مستوى أداء هذه القوة في الأشهر الأولى من عام 2018، ولذلك فهي تحرص على مواجهة الإشكالات المالية المطروحة، لأجل تفعيل عمل هذه القوات، بالنظر إلى ضعف الدول الخمس المشكلة لها.
وقد نجحت القمة في إقناع عدد من الدول بتقديم مساهمات مالية ستدعم عمل هذه القوات، فالاتحاد الأوروبي وعد بتوفير 50 مليون دولار، وفرنسا حوالي 8 ملايين في شكل معدات وآليات حربية، فيما أكدت المملكة العربية السعودية أنها ستقدم 100 مليون دولار، والإمارات العربية المتحدة 30 مليون دولار، بينما اشترطت الولايات المتحدة الأمريكية الإشراف على متابعة دعمها ومساعداتها التي ستقدمها في هذا الصدد (حوالي 60 مليون دولار)..
حقيقة أن القمّة أسهمت بشكل كبير في التّحسيس بالمخاطر المتزايدة التي تواجه منطقة الساحل، وضمنت قدراً مهماً من الدعم المالي والسياسي في هذا الإطار، رغم المخاوف من عدم توفير إمكانات في حجم الإشكالات والمخاطر المطروحة.
غير أن التعاطي الفعّال مع المشكلات الأمنية في هذه المنطقة، يتطلب أكثر من مقاربات علاجية مبنية على المدخل العسكري، وبخاصة على مستوى دعم الإصلاح السياسي، ودعم جهود التنمية المستدامة.

drisslagrini@yahoo.fr

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى