مقالات عامة

«الكنيسة» تهزم الاحتلال

يونس السيد

في سعيه المتواصل لتهويد القدس، وطمس معالم هويتها وحضارتها العربية الإسلامية والمسيحية، وضع الاحتلال «الإسرائيلي» كنيسة القيامة كما المسجد الأقصى وسائر المقدسات والأماكن الدينية، هدفاً لأطماعه العدوانية، متسلحاً ومتشجعاً بقرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل» ونقل السفارة الأمريكية إليها.
لم يجد الاحتلال، في هذا الإطار، مدخلاً لتحقيق أطماعه سوى تصفية أملاك الكنيسة، التي تضم نحو 882 عقاراً، بفرض ضرائب باهظة على هذه الأملاك وبأثر رجعي منذ احتلاله للمدينة المقدسة عام 1967، حيث قدرت هذه الضرائب بمئات الملايين من الدولارات، لكن مسؤولي الكنيسة الذين يعرفون جيداً نوايا الاحتلال رفضوا الامتثال لقراراته، وعندما فشلوا في الوصول إلى حل، قرروا، في سابقة هي الأولى من نوعها، إغلاق الكنيسة، وهي سابقة لا يجب أن تمر مرور الكرام، إذ من الغريب ألا نسمع شيئاً من أصوات الغرب ومؤسساته الرسمية والدينية، بينما وقفت كنائس الشرق وتضامن معها كل الفلسطينيين ومؤسساتهم الإسلامية والمسيحية، ما دفع الاحتلال، بعد ثلاثة أيام، إلى تجميد قراره، والبحث عن حيلة جديدة لتحقيق أهدافه.
في كل الأحوال، انتصرت الكنيسة على الاحتلال، وقام أحد أبناء عائلة نسيبة بفتح بابها الخشبي، وفقاً لوثيقة الصلح التي رافقت الفتح الإسلامي للمدينة عام 638 للميلاد، وأعطت مفتاح الكنيسة لعائلتين مقدسيتين هما، نسيبة وجودة، ووفقاً للعهدة العمرية، والتي تعتبر الوثيقة الأعظم في التاريخ بشأن التسامح والتعايش بين الأديان، فالكنيسة، منذ ذلك التاريخ، ظلت تحظى برعاية الفلسطينيين وعنايتهم، باستثناء فترة الحروب الصليبية، وحتى مجيء الاحتلال «الإسرائيلي» عام 1967، حيث بدأت مرحلة جديدة، تعرضت خلالها كنيسة القيامة للإحراق والاعتداء شأنها في ذلك شأن المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وكنيسة المهد وسائر الأماكن الدينية، وكما رعاها الفلسطينيون، دون تمييز، في وقت السلم فقد هبوا للدفاع عنها في وقت العدوان، ومن المفيد التذكير كيف وقف المقدسيون المسيحيون مع أشقائهم المسلمين جنباً إلى جنب في معركة الأقصى ونصب كاميرات المراقبة على أبوابه العام الماضي.
لا نريد الدخول في مقارنات، ولكن جرائم الاحتلال ومساعيه المحمومة لتهويدها، تجبرنا على استحضار «العهدة العمرية»، التي نصت فيما نصت عليه على ما أعطته من «أمان لأهل إيلياء (القدس)، لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وألا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها، ولا من خيرها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم».. تلك هي القدس وذلك هو التاريخ، وسيبقى الفلسطينيون يدافعون عن الكنيسة والمسجد حتى زوال الاحتلال.

younis898@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى