أكثر من فن

يوسف أبو لوز

أين العراق؟
أين عراق الشعر، والغناء، والمسرح، والفن التشكيلي، وتحديداً الفن التشكيلي في سبعينات القرن العشرين.. وهذا كتاب صادر في العام 1972 بعنوان: «الفن التشكيلي المعاصر في العراق»، بتوقيع شوكت الربيعي، صادر عما كان يسمى في العراق، وزارة الإعلام مديرية الثقافة العامة السلسلة الفنية رقم 11.
ومن باب الحنين، أو من باب الفقدان أين الوزارة؟، وأين المديرية؟، وأين السلسلة؟، بل أين الفن والفنان؟ أين عراق الثقافة والفكر والأدب والعلوم.
قدّم لهذا الكتاب النادر والناجي من النار، الفنان شاكر حسن آل سعيد، الذي حوّل الخط إلى حالة تأمّل تصوّفية عميقة، وهو في مقدمته تلك في السبعينات، كان يتحدث عن تاريخ الفن التشكيلي في العراق قبل عشرين عاماً؛ أي أنه كان يتحدث عن مقطع تاريخي يعود إلى الخمسينات من القرن العشرين. يقول: «ظل تاريخ الفن التشكيلي في العراق يعتمد على ثقة الفنان العراقي بنفسه، وإخلاصه في رفع مستواه التقني إلى مستوى الفن العالمي..». كلام عن عالمية الفن العراقي قبل أكثر من سبعين عاماً، واليوم.. أين هذه العالمية في ظل شجرة مرعبة من النار والرماد، والطمع والتدخّل في كل شيء.. حتى في الثقافة التي تتحول في زمن المذهبية والطائفية إلى ثقافة عنف.
ولنقل، ما علينا، دعنا في قوس الحنين والفقدان بعيداً عن توحش السياسة التي تقتل روح الثقافة، منها هو جواد سليم يقف إلى جانب منحوتة ضخمة في بغداد، ثم ها هو فائق حسن بالأبيض والأسود، وثمة صورة لرجل بالغترة والعقال هو عطا صبري بالأبيض والأسود؛ اللونين اللّذين يسودان في الكتاب.
عن العبقرية العراقية جواد سليم يقول المؤلف: «كان جواد سليم اقتصادياً بارعاً في اللون والخط، المعبّرين عن مضمون شرقي بإخراج حديث يحمل بعض ملامح الواسطي، من حيث تحقيق المنظورين البُعْدي والجوّي، ومن حيث الفطرة اللونية وصراحتها..».
هذه لغة نقدية تشكيلية علمية أولاً، وثانياً، هي لغة متخصصة مواكبة آنذاك لفن عراقي عالمي قبل عشرات السنوات.
سوف نتعرف إلى نحّاتين عراقيين روّاد.. كانوا عالميين في زمن عمالقة مثل بيكاسو: محمد الحسني، محمد غني، راكان دبدوب، نداء كاظم، عبد الرحيم الوكيل، ميران السعدي، طالب مكّي، صادق ربيع.. وغيرهم العشرات بل المئات، من النحّاتين والرسّامين العراقيين الكبار.
أعمال نحتية طولية وعرضية مدهشة، على رغم أنها مصوّرة فوتوغرافياً بالأبيض والأسود، أعمال مكتملة بالقوّة والامتلاء، مثلما هي مكتملة أيضاً بفراغات نحتية مشغولة بالتماسك وشعرية المادّة النحتية النحاسية أو البرونزية أو الحجرية.
إذا ذكر اسم جواد سليم، يُذكر إلى جانبه اسم فائق حسن: إنه بحسب الربيعي «بَنّا، مكوّن مسيطر على اللون بعمق، حسّاس يأخذ لباب المشاهد ويدلّه على الإقناع الدّال على المضمون».
في الكتاب لوحة للناقد والمترجم والشاعر والروائي جبرا إبراهيم جبرا، الذي كان يشكل ظاهرة ثقافية في العراق بعد خروجه من فلسطين إلى بغداد.. وجبرا فيه أكثر من جبرا.. كما في الفن العراقي أكثر من فن.

yabolouz@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply