الإنترنت جعلت الحرب النووية واردة

الإنترنت جعلت الحرب النووية واردة

رافال روهوزينسكي*

لم يعُد إطلاق الهجمات الإلكترونية، والضربات النووية الدقيقة ضد منظومات أسلحة الخصوم، يبدو بعيد المنال كما كان في السابق. ومن الواضح أننا ندخل مياهاً مجهولة المعالم.
شكلت الأسلحة النووية القاعدة للاستقرار الاستراتيجي بين القوى الكبرى النووية على مدى السنوات السبعين الماضية. وساعد التهديد بإفناء فوري ومتبادل، في تركيز العقول، بما في ذلك وضع قواعد واضحة لا لبس فيها «للعبة» بين القوى العظمى. وقد استمرت الدول بالتنافس، ولكنْ لم يُسمح للمنافسة أبداً، بأن تعرّض الاستقرار الاستراتيجي العام للخطر.
وكان الردع النووي يستند إلى حساب بسيط. ما أن تطلق الأسلحة النووية، حتى يستحيل وقفها تقريباً، وحتى الاستخدام المحدود سيؤدي إلى عواقب تقضي على الحضارة. وعلى حدّ تعبير رئيس الولايات المتحدة السابق، رونالد ريغان، كانت الحرب النووية «غير قابلة للتحقق». وكانت المعرفة بأن بلداناً بأكملها سوف تُمحى، ضماناً كافياً للاستقرار الاستراتيجي القائم على التدمير المؤكد المتبادل.
وقد بدأت الثقة المشتركة بمبدأ التدمير المؤكد المتبادل، الذي يرتكز عليه النظام النووي، بالتغير في تسعينات القرن الماضي. وأثارت البحوث والتطويرات الجديدة في منظومات الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية، المخاوف بشأن ديمومة الردع النووي. وعلى وجه التحديد، فسّرت الحكومة الروسية نصب الرادارات والصواريخ البالستية في أوروبا الشرقية، على أنه تهديد وجودي لقدرات الردع النووي الروسي، وأنه ليس حصناً في وجه «الدول المارقة» المزعومة، كما تقول الولايات المتحدة وحلفاؤها.
ومع ذلك، ظل مبدأ التدمير المؤكد المتبادل صامداً، في أوائل القرن الحادي والعشرين، مما أبقى التهديد النووي، لا يحظى بالأولوية. كما بلغ التعاون بين القوى النووية الكبرى لنزع السلاح ذروة تاريخية. فركزت كل من الولايات المتحدة وروسيا على خفض مخزوناتهما النووية بنتائج مثيرة للإعجاب. وبالعمل مع الأمم المتحدة، انصبّ التركيز على خطر الأسلحة النووية السائبة، لا على مواجهة بين الخصوم المسلحين نووياً. وعاملت جميع الأطراف، التوترات التي استمرت، باعتبارها قابلة للتحكم والتفاوض.
وقد تغيّر كل ذلك مع مجيء الإنترنت. وتتشارك الإنترنت بالصدفة، مع العصر النووي في تراث ما. ففي واقع الأمر، اعتُبرت الإنترنت شبكة اتصالات غير مركزية وموزعة، قادرة على النجاة من حرب نووية، والمحافظة على التحكم بها والسيطرة عليها. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، ليست أهميتها الأساسية عسكرية بقدر ما هي العمود الفقري لأخبار الاقتصاد الرقمي العالمي. وهذان العالمان -النووي والرقمي- يتقاربان الآن. كما يؤديان إلى قيام مخاطر جديدة، يبرز من بينها ثلاثة.
يتعلق الخطر الأول، بإدخال نظم القيادة والتحكم في العصر الرقمي. والهياكل الأساسية الحالية للأسلحة النووية الموجودة، تماثلية في معظمها، وهي سابقة في وجودها لعصر الإنترنت. ومع تحديث نظم القيادة والتحكم النووية الروسية والأمريكية خلال السنوات القليلة القادمة، سيزداد اعتمادها على التقنيات الرقمية. ولا بُد أن يزيد التحديث من التعقيد، والتعقيد يخلق إمكانات جديدة للخطأ. ومع تزايد اعتماد نظم القيادة والتحكم النووية على الذكاء الاصطناعي، هنالك فرص أقل للتدخل البشري لمنع تبادل كارثي يحدث عن طريق الخطأ.
وقضية ستكسنيت، تذكير بأن مخاطر القرصنة والتلاعب الرقمي، هي علْمٌ أكثر مما هي خيال علمي. والتدخلات الرامية إلى تعطيل وتدمير نظم القيادة والتحكم بالأسلحة النووية، بمثابة المكافئ الإلكتروني لمبادرة الدفاع الاستراتيجي التي أطلقها الرئيس ريغان. إنها تعقّد الحرب الإلكترونية والاستقرار النووي على نحو خطر. وهنالك تسع فقط من الدول المسلحة نووياً، ولكن أكثر من 140 دولة تطور، تقوم جاهدة بتطوير قدرات حرب إلكترونية.
والخطر الثاني أن اعتماد العالم على الفضاء الإلكتروني، يزيد بالفعل من قيمة الردع الذي ينطوي على الحصول حتى على عدد قليل من الأسلحة النووية. والأسلحة النووية، بسبب انفجارها، وآثار النبض الإشعاعي والإلكترومغناطيسي، فعالة بوجه خاص ضد الدول المفرطة في الارتباط بالتقنيات الرقمية والاعتماد عليها. وتستطيع هذه الأسلحة تعطيل وتدمير الشبكات الإلكترونية، ومزارع البيانات ونظم الحاسوب والاتصالات- وأن تعيث تدميراً بكل شيء، من النظم المالية إلى موارد الماء والغذاء.
ولا تزال جميع المخاطر المبينة أعلاه افتراضية. ولكن بما أن العالمين الرقمي والنووي أصبحا متشابكين على نحو متزايد، فإن الواقع هو اللحاق بالركب. وتجري إعادة تعريف استراتيجية الردع، والآثار المترتبة على ذلك مقلقة للغاية.
لم يعُد إطلاق الهجمات الإلكترونية، والضربات النووية الدقيقة باستخدام النبض الكهرومغناطيسي ضد منظومات أسلحة الخصوم، يبدو بعيد المنال كما كان في السابق. ومن الواضح أننا ندخل مياهاً مجهولة المعالم.

*زميل أقدم، في أمن الفضاء الإلكتروني والصراع الناشئ، في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. موقع: صحيفة «ذي غلوب اند ميل» الكندية.


Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply