الفوضى «الحلاّقة»

د.عبدالعزيز المقالح

الفوضى هي الفوضى بكل دلالاتها التخريبية، ومهما لحق بها من صفات إيجابية كوصف «الحلاّقة»، فلا يغير من معناها ولا من أثرها المدمِّر.
ومنذ انطلق هذا المصطلح وتردد لأول مرة على لسان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، وهو محل استخدام في الأحاديث والكتابات. وكان هذا المصطلح أو التعبير الذي تمت صياغته بمهارة غير بريئة، قد تم تصديره إلى العالم الثالث وإلى الوطن العربي خاصة بعد احتلال العراق ودخوله في حالة من الفوضى «الحلاّقة» التي لم يبرأ منها حتى الآن، والتي امتد نفوذها إلى بعض الأقطار العربية، وساعدت في خلق مجموعة من النزاعات والصراعات وصلت في بعض هذه الأقطار إلى حروب عبثية واقتتال بين الأخوة الذين يجمعهم الوطن الواحد، فضلاً عن جامع اللغة والتاريخ.
إن شعوباً مثل شعبنا العربي لم تكن بحاجة إلى مزيد من الفوضى بل إلى مزيد من النظام والانضباط، ولم يكن أبناؤها بحاجة إلى شعارات تجعلهم يتخلّون عن مسؤولياتهم الوطنية والقومية وعن إطالة النظر إلى حاضرهم ومستقبلهم، لكن هكذا أراد الأوصياء ونجحت إرادتهم في تحقيق الانحراف «الحلاّق»، ووجدت الشعارات المضلِّلة صداها المناسب في بعض الأوساط، وكانت نتائج تلك الاستجابة ما نشهده هنا وهناك من أحداث ووقائع لا يمكن للعقل استيعابها أو استخلاص حلول لها، وأن يرفع المواطن السلاح ضد عدوّه وغازي تربة بلاده أمر مبرر ومرحب به، لكن أن يرفع السلاح في وجه أخيه ورفيقه في الوطن، فذلك هو الخروج الكبير على القيم والثوابت.
وفي المقابل أن يرفع النظام سلاحه في وجه أعداء بلاده فذلك هو الحق المشروع، أما أن يرفع السلاح ضد مواطنيه فإن ذلك لا يعد خروجاً على المنطق والعقل والأعراف فحسب بل حالة من الاستثناءات المريعة، تحدث أمام أعيننا جميعاً وأمام العالم الذي يشهد ما يجري وكأنه لا يعنيه من قريب أو بعيد، وربما ساهمت بعض شعوب هذا العالم بما تزيد هذه الأحداث اشتعالاً. لقد مرّت الأقطار العربية – في أزمنة سابقة- بمنعطفات خطرة، وتعرضت – منفردة ومجتمعة – لأكثر من عدوان خارجي، لكنها لم تشهد مثل هذا الذي نشهده الآن، ولم يدفع بعض أبنائها إلى أن يأكلوا بعضهم بعضاً، كما يحدث الآن. فهل بقي من الوقت ما يكفي للتأمل والتفكير بالمصير؟.
وتجاه هذا كلّه علينا أن نسارع إلى إعادة النظر في محتويات ما لم تصدّره إلينا من مصطلحات وشعارات، وأن نبدأ في تسمية الأشياء بأسمائها، فالفوضى الخلاّقة ما هي إلاَّ فوضى (حلاّقة)، تحلق ما تبقّى في الوجدان العربي من مشاعر الأخوة، وما تبقّى في العقول من احترام للنظام وتقدير للأوطان.

abdulazizalmaqaleh@hotmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply