القوى الكبرى والنظام العالمي

عاطف الغمري

عرف العالم في سنوات الحرب الباردة، قواعد ملزمة تحكم صراع القوتين الأعظم – الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي – تلزمهما بأخلاقيات التعامل مع بعضهما بعضاً، حتى ولو وصل الصراع إلى قرب حالة الصدام عند حافة الهاوية، ويبدأ كلاهما يتزحزح بعيداً عن الحافة، ثم يبدأ الحوار.
لكن يبدو أن ذلك لم يعد يحكم مواقف هذه القوى في أيامنا الحاضرة، ويبدو أن هذا التطور في المواقف هو الذي جعل هنرى كيسنجر يصف الحالة الراهنة بقوله «إن من كانوا حراساً تقليديين للنظام العالمي، أصبحوا يحجمون عن الدفاع عن هذا النظام». وكيسنجر يطرح هذا التشخيص في كتابه بعنوان «النظام العالمي» ( World Order )، ومن المعروف أن كيسنجر لا يزال يلعب دوراً في المجال الأعم للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث يلتقي به رؤساء أمريكا، ويستمعون إليه، وآخرهم الرئيس دونالد ترامب.
بعض الخبراء السياسيين في أمريكا يرون أن كيسنجر هو الرجل الحكيم الملم بالمعايير التقليدية الأمريكية في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، بينما المعارضون له يقولون إنه رجل ينتمي إلى الماضي.
وبصرف النظر عن الرأيين، فإن كيسنجر صاحب خبرة طويلة في السياسة الخارجية، والعلاقات الدولية، والصراع العالمي، ليس فقط من الناحية النظرية بحكم بدايته كأكاديمي بدأ حياته العملية مدرساً، ثم أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة هارفارد، وهو ما يجعله ملتزماً بالتعريف العلمي للنظام العالمي، ولكن خبرته نبعت بشكل واسع النطاق من تجارب أدواره في الكثير من عمليات فك تعقيدات الخيوط المتشابكة لأزمات عدة، منها علاقة أمريكا بالصين في أوائل السبعينات التي كللها بعودة العلاقات الطبيعية بينهما، وإنهاء الحرب في فيتنام في السبعينات، ومرحلة الوفاق مع الاتحاد السوفييتي عام 1972، ومفاوضات فك الاشتباك بين مصر و»إسرائيل» بعد حرب 1973، وصولاً إلى نظرته للأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط، خاصة تشخيصه للأزمة الراهنة في سوريا، وقوله إن القتال في سوريا الذي راح ضحيته أكثر من 700 ألف قتيل، وفتح حدودها أمام جماعات تنتمي لمنظمات متطرفة، قد شكل تهديداً لاستقرار المنطقة بكاملها، وهو ما يمثل خللاً في أساليب إدارة النظام العالمي.
وبالنظر إلى عنوان كتابه «النظام العالمي»، فإن كثيراً من المحللين يرون أن هذا النظام يترنح الآن. ويلجأ كيسنجر إلى محاولة تحديد أسباب ترنحه، فيقول إن نظاماً كهذا يقوم على ركنين أساسيين: أولهما مجموعة من القواعد المقبولة عالمياً وعلى نطاق واسع، تضع حدوداً لأي إجراء مسموح به في إدارة الصراعات الدولية، وثانيهما مراعاة مبدأ توازن القوى الذي يعزز من ضبط النفس، في حالة حدوث انتهاك لهذه القواعد، ومنع أية قوة سياسية من اللجوء منفردة إلى تصرفات تتجاوز بها الآخرين. وأن تكون هذه القواعد بمثابة الشرعية القانونية التي تحفظ للنظام الدولي وجوده.
وفي نظرة شاملة لما حدث من تجاوزات في ممارسات القوى الكبرى في الفترة الحالية، فإن كيسنجر يضع خطوطاً تحت معنى بالغ الأهمية، وهو أن القوى الكبرى لم تعد هي الأمينة على النظام العالمي الذي يوفر الحماية والأمن والتقدم لكل الشعوب، وأن هذا المعنى، وإن لم يصرح به صراحة، وإن كان قد جاء في سياق تحديده للتحول في سياسات القوى الكبرى، إنما يفرض على الدول الصغيرة أن تضع لنفسها رؤية تخصها، تمكنها من الإمساك بزمام أمورها في يدها، وتوفر حماية ذاتية لأمنها ومصالحها.

ينشر بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

مقالات اخرى

Leave a Reply