تحت غطاء الفوضى

تحت غطاء الفوضى

تأليف: لورنس جروسبرج
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

كثير من الأمريكيين، والجماهير، والسياسيين من حول العالم، وحتى وسائل الإعلام، تعاملوا مع صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية بمنطق محدد، إذ وصفوه بأنه خارج الواقع، وقاس، ورجل أعمال مغرور، وأن الأمر يتعلق بشخصيته فقط، إلا أن صاحب هذا الكتاب يرى الأمر مختلفاً، إذ يكشف عن الجذور العميقة للترامبيّة في التاريخ الأوسع للحكم المحافظ في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والصراع بين اليمين الرجعي والجديد.
يُظهر جروسبرج أن هذا الصخب الذي يصدره ترامب هو في الواقع استمرارية عن الماضي، نتيجة صراع طويل بين اليمين الجديد واليمين الرجعي. وما هو جديد، كما يراه، هو أن اليمين الرجعي تم إضفاء الشرعية عليه، وقد وضع استراتيجيته السياسية في زرع الفوضى في قلب السياسة السائدة. ومن هناك، يواصل جروسبرج تحليل المزاج الوطني، ويشرح كيف يحدث ذلك في تصرفات مؤيدي ومعارضي ترامب، على حد سواء، ويحدد مستقبلاً كابوسياً محتملاً للولايات المتحدة، وهي رؤية نظام سياسي تسيطر عليه مصالح الشركات، ومبني على تفكيك متعمد للسياسة الحديثة.
ويعلق: «منذ فوز ترامب في الانتخابات، لا يزال الكثير من الناس في حالة من عدم اليقين والاستغراب، ويتساءلون: كيف حدث ذلك؟ ماذا يعني ذلك؟ رئاسته لم تهدئ الأمور؛ بل بدلاً من ذلك، زاد من قلق الشعب وشكوكيته. وهذا الأمر صحيح، ليس في الولايات المتحدة فقط، بل إن هناك الكثير من الناس في العالم يشعرون بالقلق، بطرق مختلفة بشأن ترامب. وفي كل مكان من هذه الأماكن، يتشكل المحتوى السياسي وقابلية التفاعل العاطفية لذلك القلق وفقاً لسياقه الاجتماعي الخاص به، ونشر الأمل، والإمكانية، وأشكال تقبّل الخسارة وضبط النفس».
ويضيف: «ما زلت أريد التحدث عن الولايات المتحدة التي أصبحت مرة أخرى – إذا جاز التعبير – بطن الوحش على وجه التحديد. هناك أزمة حقيقية. أساساً كانت الثقافة السياسية وممارسة الحوكمة كارثة موجودة من قبل، ومن الواضح أن الصعود إلى مستويات جديدة من العجز، والخداع، والقسوة، والجشع، لهي ممارسة حوكمة غير إنسانية بعمق».
ويرى أن هذا المزج الحاصل بين الرئيس المتباهي، والتحكم الجمهوري في الكونجرس، والأغلبية المحافظة في المحكمة العليا، يشير إلى عواقب وخيمة على الديمقراطية، والاستقرار العالمي، والسلام، والسلامة البيئية، والسياسات الاقتصادية الرصينة، والحريات السياسية، والرعاية الصحية، والتنوع الثقافي، والعدالة الاجتماعية، وشبكات السلامة الاجتماعية التي تستجد لها الحاجة كل يوم بشكل متزايد.

أجندة متداخلة

في الولايات المتحدة، يعارض الكثيرون ترامب، والأجندة الجمهورية المرعبة، حتى إن بعضهم يحوم في المحيط مثل «دجاجة صغيرة»، يصرخ بأننا نشهد نهاية العالم، على حد وصف الكاتب. ويضيف: «في حين، يحاول آخرون أن يلتمسوا طريقاً لإسكات الوقائع المنافية للعقل بشكل متزايد، لكن لا يمكن الهروب منها، لا يهم مدى المحاولة. أصبحت السياسة مرة أخرى، لغة الحياة اليومية المشتركة، ويتعلق الأمر بتعريف مزاج البلاد. ويقدم علماء النفس والمثقفون النصحية بشأن إمكانية التكيف معها، والعواطف المعقدة التي تحدثها».
ويرى الكاتب أن هناك إحساساً بالتشويق في الأوساط السياسية، إذ إن الجميع (مهما يكن الموقع السياسي الذي ربما يشغلونه) ينتظرون التالي، لكن التشويق عادة ما تصاحبه عواطف أخرى مثل: الخوف والقلق، تحديداً، لكن يحدث الغضب والصدمة أيضاً، وغالباً كميات غير قليلة من الضحك، كلها مغلفة في حزمة من الذعر. بالرغم من ذلك، هناك استجابات مختلفة بشكل حتمي، مع تكافؤ مختلف، بالنسبة للوضع الحاضر، لكن لا أحد من هؤلاء، حتى من أولئك الذين يختارون مقاومة نشطة، يبدون قادرين على خلق هالة، أو حتى الكثير من وميض الأمل.
وبالنسبة للبعض في الداخل الأمريكي، وحتى في العديد من دول العالم، هناك حالة من اليأس السياسي، ويعلق على ذلك: «نحن نسير على طريق الاستبداد، ونتلقى كل أشكال «التحذير من التاريخ»، ونتناقش ما إذا كان الأمر أشبه بأحداث رواية أورويل «1984» الصادرة 1949، أو رواية «عالم جديد شجاع» للكاتب الدوس هكسلي الصادرة في 1931، أو «حكاية خادمة» للكاتبة الكندية مارجريت آتوود الصادرة 1985. (أنا أفضل أن الأحداث قريبة من فيلم «روبوكوب» الصادر في 1987 الذي بعد أن قتله المجرمون حولوه إلى رجل آلي في خدمتهم، أو ربما مدينة قارث في سلسلة «لعبة العروش» الصادرة في 1996). أو ربما قد وصلنا إلى المرحلة الأخيرة من الانتصار الرأسمالي على الديمقراطية والرفاه الاجتماعي – تمجيد الجشع.
وبالنسبة للآخرين، الوضع أسوأ حتى، إذ يخفضون الإمكانية ذاتها للتفكير والاستجابة السياسية، على حد وصف الكاتب، ويرى أننا وسط حيرة بشأن كيف استطاعت حملة ترامب «الضئيلة» أن تمضي إلى تحقيق الفوز. ربما يكون انتخاب ترامب (وحتى ترشحه) دليلاً على أن الشعب الأمريكي لم يعد قادراً على حكم ذاته. والولاء المستمر لداعميه يفاقم ببساطة ويشرعن إحساس المرء باليأس.

الدخول في الفوضى

يشير الكاتب إلى أن هناك العديد من التلميحات المتعلقة بمدى صعوبة إبقاء حالة التوازن السياسية. «إذ لا شيء يبدو منطقياً. يبدو أن العالم يدخل في فوضى حقيقية، تقودها الشركات الرأسمالية الجشعة».
ويقول أيضاً إنه في الوقت ذاته تجد انفجاراً مبهجاً في الأشكال الحيوية والمتنوعة لتنظيم المقاومة والتعبير عنها، حتى إن بدت جميعها مستنزفة الأمل: العديد من المسيرات، والاحتجاجات، والعرائض، والجهود لهزيمة قطعة من التشريعات، أو غيرها، وطلبات جمع الأموال، والرسائل الإلكترونية اللا منتهية، كما تحولت ملايين الدولارات التي صرفت على الانتخابات المحلية إلى استفتاءات محلية على ترامب. ويعلق الكاتب هنا على أن «لكثرة انتشار المنظمات، ووسائل الإعلام، والحملات الداعمة، فقد بلغ الأمر درجة صعبة، بحيث بات من غير الممكن معرفة ما هي هذه الجهات، أو تذكّر دعم أي واحدة منها».
ويضيف: «ومع ذلك، من المفارقة، أن تجد، في الوقت ذاته، أن الناس يعيشون حياتهم «الاعتيادية»، ويمضون في أعمالهم «كالعادة» إلى درجات مختلفة، ولو أنهم يعيشون خارج تكثيف المشاعر الحزبية. ربما يأمل الواحد منا أن يجد استجابة أكثر توازناً لهذا التناقض بين الهلع والحياة الطبيعية والأشكال الأكثر تأثيراً لكل من المعارضة والمناشدة الشعبية».
ويرى أن ما يربط هذه الاستجابات معاً، هو تركيزها على شخصية ترامب ورئاسته، والتي تظهر بأنه حدث فردي، . ويشير إلى ما يتم تداوله بعيداً عن ترامب، بعيداً عن الجذور التي أوصلته إلى سدة الرئاسة، مثل: «بعد كل ذلك، هو شخص كاره للنساء، والأجانب، وقومي، وانعزالي، ومعاد للعولمة، يفضل أقرباءه على الآخرين، ويقول إنه يتحدّث لأجل الأمريكيين «الحقيقيين». يشير إلى الإعلام/‏‏‏‏الصحافة ليس بأنها عدوه فقط، بل إنها عدو الشعب، وبذلك يبرر جهوده الخاصة في إسكات وإقصاء التغطية الإعلامية، وتبنيه غير البارع للعنف ضد الصحفيين. باستمرار يصف صورة المذبحة الأمريكية، الانحدار الأمريكي، وحتى أمريكا كمكان خطر ومظلم، مع القليل من الارتباط مع الواقع. ثم يعطي وعوداً بجعل أمريكا عظيمة مرة ثانية، من دون أن يخبرنا حتى كيف يمكن له أن ينجز ذلك، أو أن يضعه في إطار قياسي.. إنه دوغمائي لا يبدو أنه يفهم الدستور، أو يعير اهتماماً له، أو كيفية عمل الحكومة».

رئاسة مرعبة

ويعود الكاتب ليوضح بشأن حقيقة ما يراه: «كل هذا صحيح، لكنه لا يخبرنا بالضرورة كيف يستجيب، أو كيف يفهم ما يحدث. في الحقيقة، هذا التركيز والرعب المنتظم حوله ربما يكون جزءاً من المشكلة، كما أنه يصبح، بشكل متناقض، اعتيادياً، كهوس يومي وحقيقة مسلم بها. رأيت العديد من الأصدقاء (إضافة إلى الإعلاميين) يحتفظون بشكل إلزامي بسجلات دقيقة من الادعاءات السخيفة. سمعت نقاداً متعاطفين وأذكياء يشيطنون ترامب (والجمهوريين) بنفس الحقد والإنكار المطلق الذي تطبعت عليه حركة حزب الشاي في رؤيتها لأوباما كشيطان، والليبراليين كمستبدين معادين للبيض. مثل هذه السلوكات ناجمة عن الذعر الذي يؤدي إلى شيطنة رؤى العدو، والاندفاع إليها كأنها باتت وراء الاستيعاب، والاسترداد، أو التسوية، وهي باعتقادي، ليست أفضل نقطة للبداية، مهما تكن مفهومة».
ويقول هنا «الفزع يجرّ المزيد من الفزع في النهاية. إنه أمر مختل. ليس لدي شك في أن هناك أوجه شبه بين إدارة ترامب وأشكال والاستبداد، لكن لا أعتقد إنها كافية مع ذلك لتبرير الاستنتاج أن ترامب فاشي، أو أننا نصبح فاشيين بالنسبة للعديدين بسبب الممارسات التي تكون شائعة لدى العديد من أشكال الديماغوجية، والاستبداد، والشعبوية».
ويؤكد: «في الحقيقة، سأشير إلى أن الكثير مما يقوم به ترامب هو ببساطة استمرار للممارسات التي أصبحت نمطاً للسياسة الأمريكية خلال السنوات الأربعين، أو الخمسين الماضية، ولا شك في أن ترامب سوف يستمر في هذه السياسات».

بنية الكتاب

الكتاب صادر في يناير/‏‏‏‏ كانون الثاني 2018، عن دار «بلوتو برس» باللغة الإنجليزية في 192 صفحة، ويأتي في ثلاثة أجزاء تحتوي على فصول، وهي: الجزء الأول: من ترامب إلى الأزمة ويحتوي على ثلاثة فصول هي: 1) الخوف والوحش. 2) رواية القصص والقصص المروية. 3) قصص أخرى ممكنة، وربما أفضل حتى. ويناقش في هذه الفصول عبر تقديم قصص تسير في اتجاه متناقض بشأن ما يحدث. في الأولى منها يصف الصراع بين معسكرين، ومجموعة من المصطلحات لأكثر روايات فوز ترامب. الثانية تقدم قصة – ظرفية – مختلفة، مبنية على الطلب لوضعها في السياق، وبذلك يحتضن تعقيد الأحداث الحالية.
الجزء الثاني يأتي بعنوان «في البحث عن الأزمة»، يحتوي على ثلاثة فصول: 4) اليمين الجديد. 5) اليمين الرجعي. 6) مشاهد مؤثّرة. ويقدم الفصلان الرابع والخامس تواريخ أحاديث الولايات المتحدة ما بعد الحرب، ويناقش في الفصل السادس المشهد الموثّر الصاعد «للعدمية السلبية»، التي، أعتقد أنها تحدّد شكل العلاقات والسلوكات الحالية. ويحدّد فيه أربعة هياكل من الشعور الذي يفضح هذا المشهد: حكم ذاتي مؤثر (تضخم هائل، أصولية، نرجسية، فاشية)، القلق، العزلة الزمنية، والنرجسية.
أما الجزء الثالث بعنوان «سياسة ظرفية» فيتكون من فصل واحد وخاتمة: 7) العودة إلى الحاضر: الرجعية المضادة للحداثة. 8) الاستنتاجات. ويقدم الفصل السابع نتائج هذه التحقيقات معاً لتقديم وصف لأكثر الميول قوة للتشكيل الصاعد للحداثة الرجعية: تفوق الثقافة و(التأثير)، التحولات المعقدة لأشكال التأمل الثقافي، وتصور سياسي جديد لشعب من دون دولة، أو حكم شركات شعبوي مغالٍ في الفاشية. ويرى الكاتب في الخاتمة أن ما يظهر أمامه بشأن الوضع: تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة. ويقول: «إننا نحتاج إلى مصادر وأشكال جديدة من التفاؤل، رؤى جديدة تفتح إمكانية الوصول من هنا إلى مكان ما أفضل. التغيير حتمي، لكن اتجاهه ومحتواه غير مضمونين على الإطلاق».

نبذة عن الكاتب

لورنس جروسبرج (من مواليد 3 ديسمبر/ كانون الأول 1947) باحث أمريكي في الدراسات الثقافية والثقافة الشعبية. يركز عمله في المقام الأول على الموسيقى الشعبية، وسياسة الشباب في الولايات المتحدة. وهو معروف على نطاق واسع بأبحاثه في فلسفة الاتصال والثقافة.
على الرغم من أنه ركز بشكل كبير خلال الثمانينات وأوائل التسعينات على سياسات ما بعد الحداثة، إلا أن أعماله الأخيرة تستكشف إمكانات وحدود التشكيلات البديلة، والطارئة للحداثة.
تخرج عام 1968 بامتياز مع مرتبة شرف في التاريخ والفلسفة في جامعة روشستر الأمريكية. حالياً، أستاذ دراسات الاتصالات ورئيس اللجنة التنفيذية للبرنامج الجامعي في الدراسات الثقافية في جامعة ولاية كارولينا الشمالية في تشابل هيل. ومن بين كتبه المنشورة: «الخطيئة: مقالات عن ما بعد الحداثة والسياسة والثقافة» (1988)، «يجب أن نخرج من هذا المكان: السياسة الشعبية المحافظة وحضارة ما بعد الحداثة» (1992)، وغيرهما من الكتب منذ ذلك الحين إلى تاريخه، كما نشر أكثر من مئة مقالة ومادة صحفية.
ويشغل جروسبرج موقع رئيس تحرير مجلة الدراسات الثقافية، وقد شغل هذا الموقع منذ عام 1990.
كما أنه يشغل العديد من المواقع الاستشارية في الدوريات البحثية، ترجمت أعماله إلى عشر لغات.

مقالات اخرى

Leave a Reply