جنوب السودان.. أمة تعذبها أزمة

جنوب السودان.. أمة تعذبها أزمة

كوجيك روت*

لا يزال الصراع الدائر في جنوب السودان منذ انفصاله، يحول دون تمتّع شعبه بخيراته وثرواته.
أنتمي إلى مقاطعة بانيجار، في جنوب السودان، إلى الجنوب تماماً من المكان، الذي أعلِنت فيه المجاعة في فبراير/‏شباط هذا العام، وفي واحد من ألوف الأماكن، التي تضررت بشدة؛ بسبب الصراع الذي يدخل عامه الخامس. وفي كل عام يستمرّ فيه القتال، تتضاءل الآمال التي حلمنا بها أنا وأبناء بلدي من السودانيين الجنوبيين، عندما صوّتنا لصالح الاستقلال عام 2011.
أصبح الوطن مكاناً تُصنع فيه أسوأ الذكريات في الآونة الأخيرة. سنة أخرى تمرُّ، وأنا أتساءل ما إذا كان عليَّ أن أبدأ بتجاهل الوضع؛ لأمضي قُدُماً وأتجنب المزيد من الأذى. ولكنْ، أنّى لك أن تنسى الوطن؟ هذا وطني. بلدي جنوب السودان.
دعوني أعْطكمْ لمحة سريعة عن وطني.
لو طلبتُ منكم أن تتخيلوا ما كان يبدو عليه وطني القديم، فسوف يتصوّر معظم الناس التفاصيل السيئة. قد يخطر ببالكم القتالُ، الذي أرغم الناس على الفرار؛ حرصاً على حياتهم، والأرضُ القاحلة، والمعاناةُ، التي يمرّ بها آلاف الأشخاص حالياً.
ولكنْ بالنسبة إليّ، كانت بانيجار دائماً مكاناً مختلفاً تماماً، مكاناً رائعاً وطبيعياً فيه بعض أكثر الناس طيبة ولطفاً في المنطقة. وبسبب هذه الذكريات، أبكي عندما أرى ما يحدث هناك اليوم.
تجثم مقاطعة بانيجار في قلب مستنقعات شاسعة، هي بعض أكبر المستنقعات في العالم. وتتخلل المياهَ عشراتُ الجزر الصغيرة، بزنابقها البيضاء ونباتاتها الطبيعية الطافية فيما بينها. والنسور النادرة تتنافس مع الديوك في إيقاظك عند الفجر. ولم يصل الكثير من البلاستيك إلى هنا حتى الآن؛ ولذا ظلت المياه نقية خالية من القمامة.
وقد حافظ الناس في بانيجار على الوضع الطبيعي لهذه الأرض المكتظة بأشجار النخيل. ولو كانت جنوب السودان دولة متقدمة تنعم بالسلام، لكانت السياحة فيها مصدراً كبيراً للعيش.
لا أستطيع القول، إنه لم تكن هنالك تحديات قبل نشوب الصراع؛ لكن بانيجار كانت تنعم بالسلام على الأقل. أمّا اليوم، فالقصة مختلفة، إنها قصة أزمة. عندما بدأت المدافع تتوهج، هرب ألوف الناس إلى الجزر؛ حيث وجدوا نوعاً من الأمان؛ لكن لم يجدوا ما يقتاتونه للبقاء على قيد الحياة، سوى بصيْلات الزنابق المسلوقة بالماء. ومع قلة المراحيض وصعوبة العثور على الماء النقي، تبع ذلك الأمراضُ الفتاكة والمكابدة.
كانت أحاديث القرى والبلدات ذات يوم، تدور حول الماشية التي ستصل من البلدات المجاورة. واليوم، لا تسمع سوى عن وصول أناس قانطين، أُرغِموا على الهرب من منازلهم. والأمراض تقتل أكثر من أي وقت مضى.
في طفولتي، عندما كنت أشعر بالتوعك في الصباح، كانت جدتي تعطيني بعض الأعشاب، وفي المساء أعود إلى الحقل ألعب مع أقراني. والفرق؟ في تلك الأيام، كنت آكل من الأطعمة المغذية حتى أتخم، ولكنّ الأطفال الآن، جائعون على الدوام تقريباً.
لقد انخفض إنتاج الغذاء. وهنالك أماكن قليلة آمنة بما فيه الكفاية لزراعتها، وأقلّ منها الشباب الذين يقومون بالعمل؛ لأن كثيرين منهم امتصّهم الصراع.
إنه ليُحَطم الفؤاد أن ترى الحالة، التي عليها هذا المكان الذي لديه مثل تلك الإمكانات الهائلة. لدى عودتي الأخيرة، رأيت بعض البوادر على إمكان وجود ظروف أفضل. فالبساتين التي أقيمت بمساعدة منظمة «اوكسفام» في المجتمعات المحلية، تزدهر وتوفر بعض الخضراوات الوحيدة الموجودة في الأسواق. لا يمكن أن تكون كافية لإطعام سكان الجزر الذين يتزايدون باستمرار؛ لكنْ نأمل في أن يتبنى الناس مزيداً منها عندما تتحسن الظروف. لا أريد شيئاً أكثر من هذا المكان بجماله الطبيعي وناسِه الرائعين، للنموّ والازدهار.
وفي الوقت الراهن، يجب علينا أن نتفادى الكارثة. إنّ وكالات الإغاثة مثل «اوكسفام»، تفعل كل ما في وُسعها؛ لوقف تدهور الأوضاع، ويجب علينا جميعاً أن نستمر في العمل معاً؛ لكي نستعيد مجد بلادنا الضائع، والظروف الأفضل لجنوب السودان.
والسلام، هو ما يلزم للبدء بكل ذلك.

*سوداني جنوبي، يعمل لدى منظمة «اوكسفام» الخيرية العالمية.
موقع: شبكة «انتربرس نيوز».


Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply