ضحايا الابتزاز الإلكتروني

نور المحمود

العالم الافتراضي مازال مجهولاً بالنسبة لأغلبية الأهالي، ولا يعرفون عنه سوى القشور. يحاولون اكتشافه ليتمكنوا من متابعة أبنائهم وفهم ما يفعلونه أو يتبادلونه مع أصدقائهم الحقيقيين والافتراضيين، لكن الأبناء يسبقونهم بأشواط، ويستطيعون إخفاء صفحاتهم ودردشاتهم، بل هوياتهم «الافتراضية» أيضاً.
الجرائم الإلكترونية مخيفة، والعنف والحروب التي تمارس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا تقل خطورة عن تلك التي عرفناها سابقاً وواجهناها في الحياة وعلى الأرض. الاغتصاب والتحرش والابتزاز والسرقة والاعتداء والتشويه والتهديد.. كلها تمارس إلكترونياً أكثر بكثير مما هي في الواقع، حتى صارت المواقع وسيلة يستغلها ضعاف النفوس لتهديد العائلات والفتيات، وتصل أحياناً إلى خطف الأطفال والمتاجرة بالأعضاء.
الأمر لم يعد محصوراً بالمواقع التي نعرفها مثل «فيسبوك»، و«تويتر»، و«إنستغرام» أو حتى «سناب شات» الذي يفضله الشباب، بل هناك تطبيقات جديدة تتيح للغرباء التطفل على حياتك؛ وباتت «لعبة التحدي» تستهوي المراهقين، خصوصاً أنها تفسح المجال أمام روادها إخفاء هويتهم الحقيقية وأسماءهم وصورهم. عبر «سايات» و«صراحة» مثلاً، قد تتلقى رسالة من شخص «مجهول» يشتمك أو يمتدحك ويتحداك بنشرها، وعليك أن تضعها على صفحتك ب «إنستغرام» أو «سناب شات» على ما يعرف الآن ب «قصتك» أو «يور ستوري». والشباب بعنفوانه ينجرف خلف التحدي وينشر، وتبدأ المواجهات، وتصل إلى حد العنف في الكلام والابتزاز العاطفي ومس المشاعر والخصوصيات.
شرطة دبي نشرت فيديو للتوعية من مخاطر الابتزاز الإلكتروني، من ضمن حملة #صن_سمعتك، ناشرة أرقاماً حول بلاغات التهديد والابتزاز التي تلقتها منذ بداية هذا العام ومقارنتها مع العامين السابقين. طبعاً الأعداد في تزايد، ما يعني ربما أن الناس أصبحوا أكثر وعياً بضرورة الإبلاغ عن هذه الجرائم. لكن هذا لا يعني في المقابل أن الجرائم ليست تصاعدية، فهناك الكثير مما يتعرض له الأطفال والمراهقون ويخفونه عن أهاليهم، أو أن الأهالي يلتزمون الصمت عن جهل بمدى خطورتها.
الحملات التوعوية من هذه النوعية يجب أن تصبح إلزامية ومفروضة على كل المدارس الرسمية والخاصة في الدولة، ولكل المراحل العمرية بلا استثناء. فكما أن الأبناء يعرفون الكثير عن عالمهم الإلكتروني وأكثر بكثير مما يعرفه الأهالي، كذلك من الضروري أن يسبقونا إلى معرفة المخاطر والاقتناع بعواقبها ولينقلوها إلينا بدورهم، لأننا بذلك نطمئن إلى أنهم يعرفون ماذا يتلقون، وماذا ينقلون من معلومات إلينا. وحبذا لو أن الإرشادات والتحذيرات هذه تصبح ضمن جدول حياتنا، مثل قوانين السير التي نحفظها، وشروط الآداب التي نتعلمها، والتي اتسعت دائرتها لتصبح شروطاً إلكترونية أيضاً.

noorlmahmoud17@gmail.com

Original Article

مقالات اخرى

Leave a Reply