عودة للمراسلات الشعرية

علاء الدين محمود

المراسلات الشِّعرية هي تلك الدفقات الإبداعية التي تجري بين شاعر وآخر، أو أكثر، حيث تحفل ببوح شفيف يخلق نوعاً من التواصل الوجداني تحتشد فيه المفردات الأنيقة في مقام التقارب بين مبدعين، ولغة فخمة عالية المستوى.
وإذا كان العالم عرف هذا الضرب الشعري المميز الجميل، فإن التاريخ الشعري العربي يحفل بمثل تلك المراسلات، والمساجلات، التي جرت بين الشعراء، منذ الجاهلية، فهي تحمل هماً وجدانياً، ولها وقع محبب في القلوب لما تحمله من دلالات إنسانية عالية، وتعبر عن نوع من المنادمة بين صديقين أو أكثر، حيث يطلق شاعر قصيدة معينة في شكل رسالة، فيرد عليه الآخر شعراً، بنفس الوزن والقافية والحجم من حيث عدد الأبيات في القصيدة، وفي ذات الموضوع والغرض، مدحاً أو هجاء أو فخراً وغير ذلك من الأغراض، ويتغير ذلك بحسب تغير الأزمنة والعصور.
ولعل أبرز ما تنتجه تلك المراسلات هو ذلك المستوى العالي من النصوص الشعرية، حيث يهتم كل طرف بأن يأتي نصه آية جمالية، باختلاف المواضيع التي يعالجها ويتناولها، فالتنافس في الردود بين الشاعرين يقود إلى تجويد وتحسين المفردات الشعرية واللغة والأساليب الجمالية، وقد أسهمت المراسلات في خلق علاقات تواصل جيدة بين الشعراء، مما ينعكس على البيئة الشعرية والثقافية، بحيث تسود الصلات الطيبة الحميمية، فيما تختلف باختلاف المواضيع التي تثار من خلال عملية التراسل، فلكل منها هدف وفكرة تعالجها، وقد حمل الشعر النبطي راية تلك المراسلات، عن الشعر العربي الفصيح القديم، فاشتهر كثير من شعراء النبط بهذا اللون من النظم.
ومن أكثر تلك المراسلات شهرة في العصر الحديث، تلك التي جرت بين الشاعرين الفلسطينيين الكبيرين: محمود درويش، وسميح القاسم، وأنتجا فيها كثيراً من الشعر البديع الراقي، والمواضيع الفكرية المهمة، فقد جمع الشاعران أكثر من هم مشترك وقضية، وقد وجدت صدى عميقاً ومؤثراً لدى جمهور الشعر في كل العالم العربي، لما تحمله من معان راقية، وجماليات أخاذة، ونظم شعري يعكس تجربة الشاعرين في الأدب والحياة.
وإذا كان هذا النوع من الشعر قد اختفى في فترات عديدة لصعوبة التواصل بين الشعراء؛ فإن هذا العصر يشهد عودة جديدة لتلك المساجلات بين الشعراء والأدباء، بألوان وأنواع جديدة من الشعر، ومن يطالع وسائل التواصل الاجتماعي؛ فإنه يصادف تلك المراسلات والتعقيبات الشعرية بين أكثر من شاعر، سواء باللغة العربية الفصحى أو العامية، وهذا من شأنه أن يعيد الاعتبار ليس للمراسلات فقط، ولكن حتى للشعر نفسه في زمن تراجعه، ويعيد الرونق المفقود له، فأدب المراسلات والمساجلات هو من الفنون العربية الراسخة في الشعر، والعودة إليه تعني استعادة أساليب المخاطبة الجميلة الراقية.

alaamhud33@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply