قط محيي الدين اللبّاد

يوسف أبولوز

وضع رسام الكاريكاتور المصري محيي الدين اللبّاد، كشكولاً سمّاه «كشكول السرام» في العام 1988، يتضمن رسوماً وحكايات يحب قراءتها الكبار قبل الصغار، بخط يده الطفولي الجميل والمقروء جيداً وأجمل من الخط الطباعي الآلي مع رسوم طفولية ملوّنة، ومع كل رسمة حكاية، وهذه حكايته مع رسمة «القط».. يقول..«.. هذه رسوم مختلفة للقط: رسوم من بلادنا ومن بلاد أخرى. بعضها من زماننا، والبعض الآخر من قبل مئات والآف السنوات. منها ما رسمه فنانون مشهورون، ومنها ما رسمه طفل غير معروف، وكل رسم منها يختلف عن الرسم الآخر، لكنّها كلّها جميلة، وكلّها تمثل «القط»، وعندما كنت أصغر كنت أتأمل كل هذه الرسوم، وأحتار: مثل أيّ قط يجب عليّ أن أرسم القط. مرّت السنوات، وعلّمتني حقيقة مهمة هي أنّي يجب أن أنسى كلّ ما تفرّجت عليه من رسوم الآخرين، وأن أرسم ذلك القط الذي أعرفه، والذي أقابله كل يوم بجوار بيتنا. قد يكون مختلفاً عن كل هذه القطط.. لكنّه «قطّي» أنا..».
وبحكم أن هذه الحكاية قد جاءت وسط الكثير من رسوم القطط، فمن الضروري أن أنقل إلى القارئ، وعسى أن يكون قارئي رجلاً كبيراً وإلى جواره طفله، أشكال بعض هذه القطط.
ثمّة قط يجلس في مواجهتي تماماً كأنه ملك، وقط ثانٍ يقفز في الهواء، وقط آخر مخطط يوحي إليك أنه قط فرعوني، وقط آخر بلونين أسود وأبيض، وثمة وجه قط أشبه بوجه أسد.. وإلى آخره من قطط مختلفة أو متشابهة، لكن في النهاية كل قط منها هو قط الرسام الذي رسمه. إنه قط الرسام وحده، وليس قط أي رسام آخر.
هل تأملت معي جيداً.. أخي الشاعر هذه الحكاية البسيطة؟، وماذا تعلمت منها؟ مع أنها موجهة إلى الأطفال، وليست موجهة إليك أنت أيها الكبير.. أو أيها الشاعر «الكبير».
كان الشاعر العربي، وإن لم تخن الذاكرة فهو النابغة الذبياني قد قال لشاعر، أن يحفظ ألف بيت من الشعر، ثم ينساها، ومن بعد يكتب الشعر، تماماً مثل كل القطط، الذي رأى محيي الدين اللبّاد رسوماتها، وعاد ليرسم قطه هو، وليس قطط الآخرين.
القط هنا هو القصيدة، والقصيدة هي القط، وبكلمات ثانية، بل، وأيضاً في الإنتاج والتنمية والاقتصاد والحرفة والكتابة والمهنة.. أي في الحياة برمّتها.
لن تحوك سجادتك أنت وحدك، إذا استخدمت نسيج الآخرين، ولن تشبع من خبزك إذا كان من حنطة جارك المزارع، ولن تكتب روايتك أنت، إذا كان أبطالها غرباء عليك.
شيء من هذا القبيل كان يوصينا به جبران خليل جبران، وغاندي، وكونفوشيوس، وبوذا، وكل العظماء الذين صنعوا حضارات كبرى في التاريخ بِ«قططهم» هم.. وليس بقطط الآخرين.
هذا مستوى من القراءة لحكاية اللباد، أما المستوى الآخر فهو البساطة في الكتابة فهذه حكاية للكبير والصغير. للغفير والوزير بلا تعقيد وبلا مبالغات. كلام سهل، ولكنه، في الوقت نفسه عميق ومباشر وطريّ، فلا لغة خشبية، ولا تقصير أو تعقيد.

هل للخبرة دور في هذه الكتابة السهلة الناعمة العميقة؟

..نعم.. والخبرة تعني الحياة، وتعني كل ما هو بجوار بيتنا، وليس بجوار بيوت الآخرين.

yabolouz@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply