مسيحيو الشرق ملح هذه الأرض

كمال بالهادي

يعترف «داعشي» قبضت عليه السلطات المصريّة، بأنّ الخلايا النائمة في مصر، تعمل بتوجيهات من «قادة» الإرهاب، على استهداف المواطنين المصريين الأقباط، من أجل خلق حالة احتراب دينية داخلية، تقوّض نسيج المجتمع المصري، تقويضاً لا يمكن رتقه أبداً. ولا يختلف هذا النهج عن استهداف المسيحيين في سوريا والعراق من قبل التنظيمات الإرهابية، تحت شعارات من قبيل الذود عن أراضي المسلمين، وكأن مسيحيي الشرق بصفة عامة هم ليسوا مواطنين يحملون هويات الأوطان التي يعيشون فيها.
التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها ما تبقّى من تنظيم «داعش»، ومن قبلها «القاعدة»، كانت تركّز على استهداف أقباط مصر، لا لشيء إلاّ لأنهم من أتباع الديانة المسيحية. والحقيقة أن هجمات دمويّة أصابت هؤلاء المواطنين الأبرياء، في أكثر من مرّة، سواء في مصر أو حتى في دول الجوار، حيث نذكر تلك الحادثة المأساوية التي ذهب ضحيتها 21 مواطناً مصرياً مسيحياً في ليبيا، عندما قام التنظيم الإرهابي بإعدامهم ذبحاً في مشهد يعكس حجم الجرائم التي ارتكبها الإرهابيون. وفي كم مرة تم استهداف كنائس ودور عبادة خاصة بالمسيحيين في مصر، ومع ذلك فإن المواقف كانت ثابتة لا تتزعزع، ولا تلتفت إلى أولئك الذين يحاولون دقّ الإسفين بين المسلمين والمسيحيين في مصر. بل إنّ كل ضربة يتلقّاها أقباط مصر، تثبت للجميع، أن هؤلاء المواطنين، لا يرضون عن بلدهم بديلاً، وأنهم لا يرون مستقبلاً لهم إلا في أرض مصر، بل إنهم يؤكدون أن الدماء القبطية التي تسيل على أرض مصر، لا تختلف في شيء عن دماء شهداء الأمن والجيش المصريين الذين يتصدّون للإرهاب.
هذه القيم الوطنية العالية، تظهر في سوريا كما في العراق، حيث إن مواطني الدولتين من أتباع الديانة المسيحية، لم يتركوا أرضهم رغم المحن القاسية، التي عاشوها ورغم سنوات الجمر التي عاشوها ومشاهد التنكيل بالأحياء والأموات على حد السواء، وبالرغم من عمليات التهجير القسري والاختطاف والاغتصاب.
الأرقام تثبت أن عدد المسيحيين العرب، يصل إلى 33 مليون نسمة، نصفهم يستقر في الدول العربية والآخرون مهاجرون مثلهم مثل بقية العرب المسلمين الذين انتشروا في أصقاع العالم بحثاً عن فرص عيش أفضل. أما الباقون فمنهم من يسهم في الإبداع الفني والأدبي، ومنهم من يقف في كنيسة القيامة منتصراً للحق الفلسطيني ومقاوماً لكل مشاريع التهويد التي تستهدف مدينة القدس. والحقيقة أن المواطنين المسيحيين العرب، كانوا على الأقل منذ بداية زمن النهضة في القرن التاسع عشر، رواد الفكر والإبداع، ومنهم بدأت فكرة العروبة تتجلى وتظهر كقيمة ضد مشاريع التتريك وضد الخطر الصهيوني. وهنا نجد مفكّرين عمالقة مثل ميشال عفلق، الذي نظّر لمفهوم المواطنة الكاملة، دون تمييز على أساس ديني أو عرقي أو غيره، ونستحضر كتابات مي زيادة وجبران خليل جبران وحنّا مينة وإلياس خوري وعائلة الرحباني، وفي مقدمتها السيدة فيروز، والمناضل الفلسطيني الراحل جورج حبش ووزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز. إنها ترسانة من أسماء سياسيين ومفكرين وعظماء، كانوا يحلمون بوطن عربي تتحقق فيه السيادة العربية تجاه القوى الإقليمية والدولية، وكانوا يحلمون بوطن عربي تتحقق فيه العدالة الاجتماعية والوحدة السياسية والاقتصادية والأمنية. لم يكن هؤلاء العظماء، يخدمون مشاريع إقليمية ضيّقة، بل غنّوا كما إخوانهم من العرب المسلمين من أجل «الوطن الأكبر»، وغنّوا كما غنّى الآخرون «سنرجع يوماً»، عندما نُكب العرب في فلسطين.
ما فعله «داعش» في المناطق التي سيطر عليها في السنوات الماضية، هو مشروع أو مخطط لزرع بذور حرب دينية، يتقاتل فيها المسلم مع المسيحي، وكلاهما إما يكون قاتلاً أو مقتولاً، فيما ينعم المرتزقة بخيرات البلاد. أوَليس هذا هو صميم المشروع الصهيوني الذي وقع غرسه في قلب فلسطين؟
مسيحيو الشرق، مواطنون لا رعايا، وليسوا جاليات، سيحزمون حقائبهم، بمجرّد استهدافهم غدراً وغيلة. هم أصحاب الأرض، تاريخياً وأخلاقياً، وهم مواطنون لا يقلّون في شيء عن بقية مواطني دولهم. لقد أثبت التاريخ أنهم صنّاع حضارة ومبتكرو ثقافة، وهم ملح هذه الأرض التي ستكون قاحلة دون حضورهم.

belhedi18@gmail.com

مقالات اخرى

Leave a Reply