قضايا ودراسات

خلفيات التنمية في الصين والهند

عبد اللطيف الزبيدي

هذا مبحث جدير بالتفكّر في علاقة الموروث بالسلوك السياسي. سيحصره القلم في بلدين لا يشبهان غيرهما: الصين والهند. هما حاضران بقوة، ولكنهما يلوحان قريبين بعيدين، يخطوان خطى الألواح التكتونية، وينطبق عليهما أيضاً أن السرعة الفائقة تجعل الشيء يُرى ساكناً. كم قرناً قطعت الصين بين سنتي 1949 و2017؟ سنون ولكنها ضوئية. يقول المتصوفون: «كلّ ما يشغلك عن الحبيب، يستوي فيه القبح والجمال.. وكل ما يصرفك عن الطريق، يستوي فيه الكفر والإيمان». علينا ترجمة ذلك إلى: التنمية الشاملة حبيب وطريق. من الطريق نبدأ، فصوفية الصين ومذهبها الروحي، هي«التاوية»، المشتقة من«تاو» بمعنى الطريق. هذه المفردة دخلت التصوف الإسلامي وأضاف إليها قدماؤنا تاء التأنيث فصارت «الطريقة»، واستخداماتها في نثرهم وشعرهم الصوفيَّين كثير.
التصوف الصيني مختلف تماماً عن أيّ تصوف آخر، لأن العقيدة لديهم خالية من الأبعاد الغيبية. عندما دخلت البوذية ديار التنين صيّنوها، أخذوا منها عرفانها، ووضعوها في قالب اجتماعي إداري تنظيمي للحياة اليومية، فغدت تربوية للفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وهو الرباعي الذي أوصى كونفوشيوس قبل خمسة وعشرين قرناً بجعله محطّ الاهتمام والعناية في كل عمل وخدمة وغاية. ذلك أن يكون الهدف، بمفهومنا اليوم، عملياً تنموياً بتسخير كل الطاقات المادية والمعنوية للارتقاء بأداء الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، من الإمبراطور، أي السلطة، إلى القاعدة جماعات وأفراداً. في الصين مفارقة لغوية تأصيلية ظريفة، فهم لا يستخدمون مفردة فلسفة ويفضلون الحكمة. لكن المعنى واحد، فالحكمة في اليونانية هي «صوفيا»، والفيلسوف هو محبّ صوفيا، عاشق الحكمة، والصوفية مشتقة من صوفيا، وكل التأويلات الأخرى كارتداء الصوف عند قدمائنا جهل بالتجذير اللغوي. الصينيون على حق، لأن حكماء الصين وعرفاءهم هم أقرب إلى المتصوفين منهم إلى الفلاسفة وأصحاب المذاهب الفكرية المنظرين.
في الهند أيضاً لا نجد فلاسفة بل حكماء، نستطيع جمعهم في شخص «جدّو كريشنا مورتي»، الذي كرّس حياته لتربية الإنسان وبنائه ليكون لبنة إنسانية حضارية. عاش طويلاً محاضراً في بريطانيا، وبلغ تأثيره حدّ تخصيص أهمّ قسم من كلية العلوم التربوية في جامعة السوربون الباريسية، لتدريس مبادئه. من روائعها دعوته إلى تدريس كل الحضارات والثقافات والأديان في المناهج، لتأهيل الطلاب لأن يكونوا إنسانيين منفتحين على العالم، نشراً للتسامح والتآخي بين البشر. هل كان مصادفة أن ينتهج غاندي سياسة اللاعنف ثم عدم الانحياز؟ ولماذا اختارت الهند تنمية فائقة كالماء تحت التبن؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الانحيازية: أروع هوية وانتمائية وخصوصية هي أن يقال عنك إنك إنسان.
abuzzabaed@gmail.com

Original Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى