قضايا ودراسات

دماء على طريق التحرير

علي قباجه
مقاومة الاحتلال «الإسرائيلي» بكل الأساليب ضرورة وطنية وأخلاقية لا يختلف حولها اثنان، وقد اتفق عليها القاصي والداني من أحرار العالم، كما أن الشعوب التي رزحت تحت نيران المستعمر، وعلى مر التاريخ استخدمت كل ما هو متاح، لردع الغزاة والمحتلين، كما ابتكروا أساليب نضالية تنسجم مع الثقافة السائدة والطبائع السياسية والجغرافية للبلد.
وفي فلسطين، لم تختلف الحال كثيراً، فمقارعة الكيان تتطلب تعدد أساليب المواجهة، واستخدام شتى الطرق؛ للوصول إلى حالة التحرر، والانعتاق من نير الظلم، أو على الأقل تشكيل حالة من التوازن والردع؛ لكن المقاومة لها أصول ومسارات، وتخطيط ورؤية، لا بد من السير عليها حتى تؤتي أُكلها، ولا ترتد بشكل عكسي، فتعود بالسلب على ممارسيها.
مؤخراً، انتشرت عمليات طعن ضد جنود صهاينة مدججين بشتى أنواع الأسلحة، يقوم بها أطفال في ريعان الصبا لم يقو ساعدهم بعد، وإنما قويت إرادتهم، وتعاظمت عزيمتهم في أعمار مبكرة، إلا أن العزيمة وحدها غير كافية لتحقيق الغاية، فلا بد من حسابات مادية ومنطقية، لكل شيء. فإقدام فتيات، أو فتيان على مهاجمة جنود مدججين يعد شجاعة منقطعة النظير؛ لكنها في الوقت ذاته تفتح شهية جيش الإجرام على ممارسة هواية القتل من دون أي عائد، فالسكين التي يحملها هذا الطفل لا يمكن أن تجابه دروع الجنود، رغم أن الاحتلال يختلق في كثير من الأحيان ذرائع للقتل، ويدس السكاكين في جيوب ضحاياه، مستغلاً تخوفه من حالات قليلة نفذت فيها عمليات طعن.
شهيدة في القدس هاجمت جندياً ب«مقص»، وأخرى ب«سكين لتقطيع الفاكهة»، قابلهما الاحتلال بعشرات الرصاصات التي اخترقت جسديهما من دون أن تصلا إلى مبتغاهما، وهنا لا بد من وضع النقاط على الحروف، فالأمر يحتاج إلى وقفة جادة من قبل الإعلام، الذي لم يتردد في الدعوة لاستخدام السكاكين في المقاومة! وهذا سبب مهم لخروج الفتيان للقتال. فالمطلوب على المستوى الدعائي هو بث الإرشادات الواعية، غير القائمة على العاطفة؛ لتجنب خسائر، الشعب في غنى عنها.
والشيء الآخر المثير للاستغراب في هذا الصدد، هو الموقف المتفرج للفصائل التي تمتلك الكثير من الأسلحة، إلى جانب مقدرتها على المقاومة والتصدي للمحتل، فهم لا يتورعون عن تبني شهداء السكاكين، وإطلاق المئات من الرصاصات أثناء تشييعهم.. فمن المؤسف أن تصبح الفصائل بإمكاناتها تنتظر طفلة متسلحة ب«مقص»، للانتقام للشعب الفلسطيني بأسره.
فلسطين تستحق للدفاع عنها تقديم الأرواح؛ لكن الدماء غالية، والمهم ألّا تضيع سدى؛ لذا فالتخطيط وممارسة المقاومة المنظمة الهادفة بكل صورها لا بد منها، كما لا بد للقوى الفلسطينية أن تقوم بدورها الذي نشأت لأجله وهو المقاومة، وعدم استخدام أسلحتها، والحناجر الهاتفة فقط في جنازات الأطفال الشهداء، أو استخدام نفوذها السياسي في المساجلات الداخلية.

aliqabajah@gmail.com

Original Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى