مقالات سياسية

في العمق: كيف نحافظ على مكتسباتنا الوطنية في زمن كورونا؟

د. رجب بن علي العويسي

مع الأمنيات بقرب تلاشي جائحة كورونا (كوفيد19) عن العالم، والتي تفصح عنها مؤشرات الحالة الوبائية والانخفاض الكبير في أعداد الإصابات اليومية حول العالم، وفي السلطنة، وتوقف شبة تام في أكثر الأيام لوفيات كورونا، بعد أكثر من عام ونصف العام، عاش فيه العالم أصعب نكباته وأشد أحداثه وظروفه ومتغيراته، ومع كل التباينات والتناقضات والمفارقات والتوافقات، والمشتركات والمختلقات التي عايشها العالم مع هذا الوباء، واختلاف الناس حوله، وفي تفسيره وقراءة آثاره، وتشخيص سلالاته، وما تركه من آثار سلبية على الاقتصاد والتجارة، والسياحة والتعليم والمنظومة الصحية، والعادات والتقاليد، والمفردات الاجتماعية الأخرى، وحياة الناس اليومية نتيجة الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية التي اتخذها العالم في فترات مختلفة للحدِّ من انتشار الفيروس، وحجم الآلام والأحزان والفقد الذي تركه في أعداد الوفيات حول العالم، وأكثر من أربعة آلاف وفاة في السلطنة.
ومع كل ما سبق إلا أن الجائحة شكل في الوجه الآخر فرصة للعالم في مراجعة سياساته وخططه وبرامجه، سواء على مستوى قيادات العالم والعلاقات الدولية، أو على مستوى الحكومات والشعوب، أو المؤسسات والأفراد، أو كذلك في حياة الإنسان اليومية والعلاقات الاجتماعية، وعزز من مستوى الوعي المجتمعي، وأعطى فرصة للشعوب في البحث عن حلول للتحديات والمنغصات التي فرضها في حياة الناس، إنه بحق إعادة إنتاج الحياة والواقع العالمي من جديد على مختلف المستويات، سواء في التنظيم الإداري، والمؤسسي والمنظومات المجتمعية، والعلاقات الاجتماعية، والعادات والتقليد، أو في مجالات البحث العلمي والتعليم والابتكار، أو في الجاهزية الأمنية والتعامل مع الحالات الطارئة، أو في تفعيل خطوط التأثير المجتمعية ومبادرات العمل الاجتماعي وارتباطها بحياة الناس وقدرتها على انتشال الإنسان من دركات السقوط القِيَمي والأخلاقي أو تحسين الصحة النفسية لديه، وتصحيح القناعات والأفكار وإعادة روح التغيير والتوازنات فيها، أو فيما يتعلق بالشراكات المؤسسية وروح العمل الوطني الموجه، أو في بناء الإنسان فكريا، وثقافيا، وعلميا ودينيا، وخلقيا، وقدرته على الاستفادة من الفرص التي تحققت له في إنتاج تحولات على الأرض وخلق مسارات أخرى في إعادة هندسة الواقع، بل أيضا في تفاصيل العلاقات اليومية وأولويات الحياة والحاجة إلى ضبط الكثير من الممارسات المجتمعية والفردية، وتعريض المواطن لمواقف محاكاة في كيفية التعامل مع أخلاق الأزمات، وإدارة الحالات الطارئة، والجاهزية في التعامل مع الجوائح والأزمات، سواء ما يتعلق منها بالأمراض المعدية أو الأنواء المناخية من أعاصير وحالات مدارية، أو أزمات اقتصادية ومالية، وتوسيع فرص الاعتماد على النفس، وتمكين الموارد البشرية الوطنية من صناعة التغيير وإنتاج التحول وإعادة هندسة البناء.
من هنا فإن اختزال مكتسبات كورونا في مقال أو اختصارها في صفحات أمرا غير ممكن، فالمكتسبات المتحققة كبيرة، والفرص التي أنتجتها، وهي اليوم بحاجة إلى عمل وطني تتكاتف جهود الجميع نحو تحقيقه والاعتراف بأهمية اعتماده في مداخل التطوير القادمة لبناء عمان المستقبل ورؤية عمان 2040، وإن المتتبع لكل الموجهات التي انطلقت جهود السلطنة منها في سبيل التعامل الواعي والممنهج مع معطيات جائحة كورونا (كوفيد 19) وعبر تشكيل اللجنة العليا والاستراتيجيات التي انتهجتها، واتجهت نحو تأطير العمل الوطني وتقنينه وضبطه والحيلولة دون تداخل الاختصاصات أو الازدواجية في المهام، وبما يضمن سرعة اتخاذ القرار وكفاءته ونافذيته، وسهولة ومرونة التعاطي مع كل المستجدات المرتبطة بالجائحة، وتقوية خطوط التأثير الوطنية المعنية بالشأن، حسب طبيعة الحالة والجهات المشرفة أو المتابعة أو المنفذة لها، أو كذلك الأطر التشريعية والقانونية والضبطية التي أطرتها اللجنة في سبيل ضبط السلوك الاجتماعي، ومراقبة تنفيذ القرارات الصادرة منها، وسرعة التعامل مع حالات الإشاعة وغيرها من الأمور المستجدة، بما أثمر عنه هذا التوجه من ميزة تنافسية وطنية استطاعت إدارة هذه الجائحة والتعامل معها بكل كفاءة ومهنية، رغم حساسية الملفات الاجتماعية المرتبطة بها، إلا أنها عززت من وعي الجمهور بقراراته، وتركت بصمة تأثير حاضرة في كل موقف ومشهد، هذا الأمر بكل تفاصيله يمثل ـ كما أشرت ـ ميزة تنافسية استطاعت أن تقدم نموذجا فريدا في التعاطي مع الأزمات والتكيف مع الظروف، بما يعني أن تستمر الجهود الوطنية في الاستفادة من أعمال اللجنة العليا في إدارة بعض القضايا (الباحثين عن عمل والمسرحين من القطاع الخاص، وملفات التوظيف والتشغيل بعمومها) التي ما زالت تمثل اليوم هاجسا مجتمعيا، له أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها، في إشارة صريحة إلى مقترحنا الذي أشرنا إليه في مقال سابق بشأن تشكيل لجنة عليا في إدارة ملفات التوظيف والتشغيل والتسريح باعتبارها تمثل أزمة وطنية، بحاجة إلى ممكنات للتسريع في معالجة تفاصيلها، وإدارتها بحكمة ومهنية، وإيجاد البدائل والحلول المناسبة، وكفاءة ونافذية القرارات الضامنة لنجاحها.
وفي ظل ما ارتبط بجائحة كورونا من ظروف اقتصادية صعبة نتيجة حالة الإغلاق الجزئي والتام، ومنع الحركة الجزئي والكلي وتقليل عدد الموظفين في القطاعين الحكومي والخاص، وحالة العجز والإفلاس التي واجهتها المشاريع المتوسطة والصغيرة، لذلك وضعت معطيات الجائحة البعد الاقتصادي في أولويات المعالجة والتصحيح، في إطار مرتكزات إدارة اقتصاد الأزمات، واتجهت رؤية العمل الوطني إلى تعزيز الاستدامة المالية، والتنويع الاقتصادي، وتسيير حركة الاستيراد المباشر للبضائع من الموانئ العالمية والإقليمية، وخفض المديونية والعجز في الموازنة العامة للدولة، ورفع مستويات الحوافز المنتجة المقدمة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مما كان له أثره الإيجابي في تقديم حزم تحفيز ودعم للقطاع الخاص، على أن المنشورات المالية التي بدأت مع عام 2020 واستهدفت تعزيز الاستدامة الاقتصادية وترشيد الإنفاق الحكومي وخفض المصروفات الحكومية والإجراءات التي اتخذتها وزارة المالية في هذا الشأن، أعطى المزيد من التفاؤلية والثقة في امتلاك القدرة على التكيف مع معطيات الواقع، وكفاءة هذه الإجراءات في الحدِّ من حالة الهدر والفاقد للمال العام، الأمر الذي يضع من هذه الموجهات التي اعتمدتها الحكومة في الحدِّ من تأثير جائحة كورونا من جهة والحدِّ أيضا من تداعيات الإجراءات الاقتصادية الناتجة عن وقف الترقيات والعلاوات والحوافز ورفع الدعم عن الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والوقود، وتطبيق القيمة المضافة وغلاء الأسعار، وارتفاع الرسوم المقررة على الخدمات الحكومية البلدية والإسكانية والشرطية والأنشطة التجارية والصناعية وغيرها في التفكير في بدائل أخرى خارج إطار الموازنة، والبحث عن أطر أخرى سيكون لها حضورها القادم مع التحسن المستمر للوضع الاقتصادي مع بدء تفعيل خطة التوازن المالي وخطة التحفيز الاقتصادي وبعض الإصلاحيات الإدارية المتجهة لتبسيط الإجراءات وتمكين المواطن من إنتاج فرص أكبر والاستفادة من الدعم الحكومي المقدم له أو الإعفاءات من الضرائب التي أعلنت عنها اللجنة العليا مؤخرا.
لقد كان لجائحة كورونا تأثيره في النسق الاجتماعي والعادات والتقاليد، في إعادة تصحيح ما تحمله بعض الممارسات المجتمعية من انحرافات عن النهج، ونزوغ عن الفطرة وحالات الإسراف والتبذير والهدر للموارد، والاستنزاف للثروات والموارد الذاتية، وتدني مستويات الوعي الاستهلاكي، وقواعد الاستهلاك الرشيد والشراء وفق الأولويات، والتي نعتقد بأن جائحة كورونا وما حصل من تأكيد التباعد الاجتماعي ووقف كل أشكال التجمعات والاختلاط فرصة في إعادة هيكلتها وضبطها وتعزيز مسؤولية الفرد والمجتمع في تبني العادات الاجتماعية الصحيحة التي تعزز من فرص الادخار وقيم التعاون والتكافل ومنع الإشاعة وغيرها من الجوانب التي عززت من فرص تواجد الفرد في البيت ومع أسرته وبين أطفاله، كما أتاحت فرص أكبر للحوار الأسري والاجتماعي داخل منظومة الأسرة الصغيرة، وخلق مساحة أكبر من الأنس والحميمية والتجديد في البيوت، مما كان مفقودا في فترات سابقة، وبالتالي ما يؤسسه هذا الأمر من فرص أكبر في توفير التشريعات والقوانين الضابطة للسلوك الاجتماعي والشخصي، وتوفير فرص تنافسية أكبر تضع الأسرة أمام مرحلة متقدمة من الوعي والمهنية في الاستفادة من طاقاتها ومهارات أبنائها، في الاعتماد على النفس، ومشاركة الأسرة جميعها في رسم ملامح المستقبل.
إنها بحق محطة أمل وتأمل وفرصة لالتقاط الأنفاس لإعادة إنتاج المسار الوطني بكل تفاصيله وتجلياته من جديد، مرحلة تقف على كل المعطيات والفرص، وتشخص المطبات والعائق، لتبني خلالها مسارات أكثر عمقا ومهنية وارتباطا بالواقع واستشرافا للمستقبل، للحدِّ من كل أشكال الهدر الإداري والمالي والفكري التي باتت تمارس في مجتمعنا حتى عهد قريب، وعبر إنتاج الحلول المبتكرة، والمبادرات الجادة، والاستراتيجيات الرصينة، والشراكات النوعية، وتعظيم دور التقنية الحديثة ومفاهيم الذكاء الاصطناعي والإبداع الإداري والابتكار وتنشيطها في الشركات الحكومية ومؤسسات التعليم والبحث العلمي والخدمات العامة، لتشكل مبررا لإصلاح قادم لمنظومة الجهاز الإداري للدولة يرافق جهود الحكومة في إعادة الهيكلة، وعبر صياغة سياسات وخطط وبرامج وطنية أكثر نضجا وواقعية واستدامة، واستحداث آليات جديدة في الأداء الحكومي الفعال، وبالتالي إدماج هذه المستجدات والمكتسبات والفرص في رؤية عمان 2040، وتوظيفها في رسم ملامح العمل القادم وفق الأولويات التي أفصحت عنها الجائحة، مستفيدة من الحماس الوطني للتغيير، والممارسة الوطنية المتجهة للنضج، وحداثة القناعات والأفكار التي تولّدت لدى المواطن العماني ومؤسسات الدولة من جائحة كورونا.

نقلا عن الوطن العمانية

زر الذهاب إلى الأعلى