مقالات سياسية

مؤيد أم منافق؟

حلمي النمنم

فى زمن الحياة الحزبية، كانت الصحف تُنسب إلى الأحزاب التى تعبر عنها أو ترتبط بها، على هذا النحو كان تصنيف أو تعريف الصحف، ومن ثم الصحفيين الذين يعملون بها.. وهكذا وجدنا كُتابًا ومحررى صحيفة السياسة، لسان حال حزب «الأحرار الدستوريين» لا تتغير النظرة او التعامل معهم، سواء كان الحزب فى الحكومة أو خارجها.. نفس الأمر بالنسبة لصحف مثل: البلاغ والجهاد وكوكب الشرق، وارتباط كل منها بعض الوقت أو كله بحزب الوفد.

يجب القول إن كل الأحزاب لم تكن ذات حضور شعبى قوى، لم يكن هناك غير الوفد، له ارتباط كاسح بالشارع، بقية الأحزاب كانت تعبر عن فكرة مكتملة لها بعض الأنصار وتواجد عبر النخبة، مثل: الحزب السعدى والأحرار الدستوريين، لكن القائمين عليها أخذوا العملية السياسية بجدية شديدة، لذا لم تصبح أحزابا كرتونية، وأصدرت صحفًا تعبر عن مواقفها وأفكارها، لذا ظل الحزب هو الأصل وليست الصحيفة، كما حدث فى تجربة الثمانينيات وما بعدها.

الصحف التى لم تكن ترتبط بحزب ما، كان ينظر إليها بحكم موقفها العام، مثل جريدة الأهرام ومجلة المصور. وكانت هناك صحف تحسب على الجهة التى تقترب منها.. المقطم كانت مقربة جدًا من دار المعتمد البريطانى ثم السفارة البريطانية، نفس المؤسسة أصدرت مجلة «المقتطف» وكتب لها كبار الكتاب من مصطفى صادق الرافعى حتى إسماعيل مظهر، عومل كل كاتب بما يكتبه فقط.

سألت ذات مرة الأستاذ وديع فلسطين، وكان مدير تحرير المقطم حين توقفت: هل وُجه إليه اتهام هو وزملائه، حتى بين الزملاء، بأنهم كانوا عملاء للاحتلال؟.. رد بأنه لم يحدث ولم يكن هناك شىء من ذلك «كنا نؤدى عملًا صحفيًا».

ADVERTISING

أخبار اليوم كانت محسوبة على قصر عابدين بحكم علاقات مؤسسها الأستاذ مصطفى أمين بالديوان الملكى والحاشية، كان الكل يقر بموقف كل طرف وأحقيته فى اتخاذ الموقف الذى يرتضيه دون إدانة وبلا تبجيل أخلاقى أو سياسى مطلق. الأصل أن يكون للفرد الحق فى اتخاذ موقفه. كذلك الحال بالنسبة للمطبوعة عمومًا.

فيما بعد ومع اختفاء الحياة الحزبية، انتقلت مهمة تقديم التعدد والتنوع فى المجتمع إلى الصحف والصحفيين، صراع الأجنحة داخل النظام الناصرى يتبدى واضحًا على صفحات الأهرام والجمهورية.

رجل الاتحاد الاشتراكى القوى على صبرى يهاجم على صفحات الأهرام «تلميحًا»، بينما له مقال ثابت فى «الجمهورية»، غالبًا كان عن «حتمية» الحل الاشتراكى.

الحق أن الصحافة حُملت بعبء ضخم، وظهرت مفردات جديدة، لا نقول مؤيدا ومعارضا، بل منافق ثم عشرات الكلمات بنفس المعنى وصياغات أكثر ركاكة. واختفت كلمة معارض لتظهر بدلا منها جاهل.. عميل.. مأجور.. إلى آخر هذه القائمة من المفردات البغيضة والبذيئة.

المشكلة أن تلك الروح سادت داخل أبناء المهنة وفى الشارع أيضا، وقد انعكس ذلك سلبًا على مهنة الصحافة والعملية الإعلامية برمتها، لم يعد الصحفى يقاس بكفاءته ومهنيته، ناهيك عن ثقافته وموهبته، بل بموقفه.. هل هو مؤيد أو معارض، ولعل هذا ما جعل عددا كبيرا من كبار الصحفيين يخفون تاريخهم أيام الملكية أو يزيفون تاريخًا جديدًا لهم دون أن يكونوا مضطرين لذلك ولا مجبرين عليه.

ومع نسبية كل موقف، ولأن الأمور صارت هكذا، يمكننا القول إن معيار الكفاءة المهنية لم يعد له الغلبة ولا الترجيح، بل سبقه الموقف السياسى.

وبما أن المسألة صارت هكذا، فإن من قرر أن يكون فى خانة التأييد لا يسمح لنفسه بأدنى اعتراض، حتى فى أبسط الأمور، ومن قرر أن يكون معارضا، يصبح كذلك على طول الخط، حتى فى أبسط الأمور الوطنية أو يصمت، لذا وجدنا من يصرخون مطالبين بهدم السد العالى أو يدافعون عن موقف بريطانيا وفرنسا وإسرائيل فى العدوان الثلاثى على مصر، عن تصور أن ذلك يضعهم فى خانة العداء لعبدالناصر.. أو أن يهاجموا بضراوة معركة العبور العظيم سنة ٧٣، ويتخيلون أو يختلقون وقائع لم تحدث، لأن قرار الحرب اتخذه السادات.

خطورة هذه الحالة أن كل طرف أو موقف ينفى الطرف الآخر، لا يقر به ولا بحقه فى الوجود، هناك دائما من سيكون مؤيدا لموقف أو سياسة ما، ولايعنى ذلك أنه منافق أو انتهازى يبحث عن فائدة أو مصلحة ما.. كان العقاد مؤيدًا تمامًا وعلى طول الخط لسعد زغلول، اختلف معه فى موقف سعد من أزمة كتاب على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم»، وكذلك قضية كتاب د. طه حسين «فى الشعر الجاهلى»، ومع ذلك ظل الخلاف فى حدود النقاش بينهما، ولم يتهم أحد العقاد حتى بعد أن كشف العقاد نفسه تلك التفاصيل سنة ٣٨ فى كتابه عن سعد زغلول، بل إن العقاد جعل عنوان كتابه عن سعد «سيرة وتحية»، أى أن الكتاب فى محبة وتقدير سعد، كذلك الأمر بالنسبة لمحمد التابعى الذى كان صوت مصطفى النحاس، فى وقتٍ زاد فيه خصوم النحاس، حتى داخل الوفد نفسه. لم يتهم أحد التابعى بشىء، حتى بعد أن تم حل الأحزاب.

فى المواقف السياسية، ليست هناك حالة مطلقة، سوف يكون هناك دائما القبول والرفض، لكن لا إجماع.. النبوات والأنبياء أنفسهم، صلوات الله عليهم جميعًا، لم يقابل أى منهم بإجماع عام، لذا يكون العادى والصحى أن يوجد المؤيد والمعارض، وإسقاط حكم قيمى وأخلاقى مطلق على أى موقف يعنى – ضمنيا – نفى الموقف أو المواقف الأخرى.

وهناك من أدركوا ذلك، فتعاملوا بروح «الفهلوة والفهلوى»، لذا قرر كل من هؤلاء الوقوف تحت أى لافتة ويصرخ أو يصيح من تحتها، ثم يوظف ذلك لأشياء أخرى، فهو اختار ما ارتآه مريحا وآمنا له.. إذا وقعت منه مخالفة قانونية، يكون التفسير أن هناك تربصا به ويُعاقب لأنه معارض، فإذا كان مؤيدًا يكون التفسير: الدولة تأكل أولادها ولا تحمى رجالها.

حدث أن لجأ إلى، حين كنت متخصصا فى التحقيقات الصحفية وكنت أهتم بقضايا الجامعات، أحد رؤساء الجامعات، كانت الجامعة قد أنشأت مستشفى متخصصا فى المسالك البولية وتم تجهيزه، لكن عددا من الأساتذة عرقلوا افتتاح المستشفى تمامًا، وكان رئيس الجامعة يرى أنهم يتخوفون على عياداتهم ومراكزهم الطبية فى المدينة من المستشفى الجامعى.. بدأتُ البحث وجمع المعلومات، فاتصل بى اثنان منهم.. قال الأول إن رئيس الجامعة ناقم عليه بشدة «لأننى أحب الرئيس مبارك ورئيس الجامعة لا يحب الرئيس ولا يلتزم بتعليماته»، كان حديثه مبتذلا للغاية. الثانى ذكر أن رئيس الجامعة يريد أن يخرب بيته لأنه وفدى عريق، ولم يَفُته أن يزج بمبارك فى المشكلة، ذكر أن مبارك يؤمن بالتعددية الحزبية والمعارضة، بينما رئيس الجامعة ليس كذلك.

من أسفٍ أن تلك الفهلوة استمرت فترة وكانت تنجح مع البعض، هل نذكر فى التسعينيات حين أراد أحد رؤساء التحرير اتخاذ إجراء تأديبى بحق محرر ارتكب خطأ مهنيا، فصاح المحرر: أنا أعاقب لأننى أحب الرئيس مبارك وأحدث حالة من الشوشرة، وقد وجد من يسانده نكاية فى رئيس التحرير أو لأسباب أخرى.. فى النهاية دفعت الشوشرة رئيس التحرير إلى التوقف عن أى إجراء، رغم ما كان يُعرف به من قوة وثبات.

وهكذا.. لأن الأمر يعتمد على الموقف السياسى أو الأيديولوجى، فقد تخندق البعض بفهلوة حول موقف ما، بغض النظر عن أى جدية أو مصداقية واتساق، حتى بمعيار «الكذب المساوى»- وفق التعبير العامى- وتراجعت المعايير الأخرى.

هؤلاء مشكلة المشاكل، راجع سجل أشد الناس ضراوة فى الهجوم على عبدالناصر بعد رحيله.. لا أتحدث ولا أقصد الذين انتقدوا التجربة الناصرية، وفق أفكار واضحة ومتسقة، بل أولئك الذين «ردحوا»، معظم هؤلاء كانوا الأشد مدحًا له ولسياساته، حتى فى اللحظة التى كان فيها عبدالناصر نفسه ينتقد نظامه بأقسى الكلمات، بعد هزيمة ٦٧، الشىء نفسه حدث مع السادات ثم مع حسنى مبارك.

خطورة هؤلاء أنهم يحدثون ما يشبه حالة تلوث فى المناخ العام كله.. فى بداية عملى بالصحافة فى «دار الهلال»، كان أحد الكبار الذين تعاملت معهم، قد عمل قريبًا من الرئيس عبدالناصر فى الخمسينيات، ثم ابتعد أو أُبعد قليلًا، لكنه ظل داخل التجربة، كانت هناك وقائع عديدة شهدها بنفسه، خاصة أثناء العدوان الثلاثى وبعدها، وكنت ألح عليه أن يكتب ذلك كله وينشره، فكان يرد: هل تريدنى أن أحسب وسط هؤلاء؟.. حتى أولئك الذين كتبوا بمسؤولية وجدية ضاعت كتاباتهم وسط طوفان «الردح».. أمامنا مذكرات المهندس سيد مرعى ومذكرات أحمد كامل، كل منهما كان مسؤولا كبيرًا وقدم الجديد فيما صدر عنه مكتوبًا.. باختصار، حالت عملية «الردح» دون التقييم الجاد لكثير من التجارب التاريخية التى مرت بنا. الأمر الذى حال دون التعلم من كثير منها.. لو درسنا جيدًا خطورة حل الأحزاب سنة ٥٣ ما تكررت التجربة.. الحزب الناصرى شبه متجمد، وتم حل الحزب الوطنى بعد ثورة ٢٥ يناير، كان فى الحزب رؤوس فساد، لكن كانت هناك كوادر غير فاسدة، وكانت هناك فرصة للحزب أن يستمر بعيدا عن السلطة وعن الفساد، وكان له تواجد فى الشارع.

الطريف أن عشرات الأقلام التى تغزلت سنوات فى الحزب الوطنى اختفت تمامًا حين صار وجود الحزب كله مهددًا.

المشكلة أن قطاعًا من الرأى العام بات يرى الأمور على هذا النحو، إذا دافع صحفى عن موقف ما للدولة أو حتى للحكومة، يكون التفسير أنه طامع فى شىء ما.. وإذا عارض، يكون الفهم أنه غاضب لأنه لم ينل غرضا ما.. بالتأكيد، هناك من يكون كذلك، لكن هناك أيضا من يؤيد ويساند، لأنه يرى الصالح العام فى الموقف الذى يسانده، كذلك الأمر وبنفس الدرجة بالنسبة لمن يعارض.

* نقلا عن “المصري اليوم

زر الذهاب إلى الأعلى