غير مصنفة

التعاطف مع «إسرائيل» يتناقص

لودفيج واتزال*

قال السفير «الإسرائيلي» السابق في ألمانيا، آفي بريمور، عام 2015، «ليست معاداة السامية هي التي تتزايد، بل التعاطف مع «إسرائيل» هو الذي يتناقص».
التقارير عن معاداة السامية تزدهر. ومعظم هذه القصص تصنعها منظمات يهودية، والحكومة «الإسرائيلية»، أو منتسبون مقرَّبون لكليهما، ولكنهم يتظاهرون بعدم الانحياز. وفي الآونة الأخيرة، أصدرت وزارة شؤون الشتات «الإسرائيلية» تقرير معاداة السامية لعام 2017، الذي أظهر زيادة في الحوادث العنصرية ضدّ اليهود، ولا سيّما في أوروبا الغربية مثل فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا.
هنالك حوادث معادية للسامية في العديد من الدول. ومعظمها يتعلق بسياسة دولة «إسرائيل»، وليس باليهود لأنهم يهود. إن التعريف الوحيد لمعاداة السامية الذي ينطوي على معنى، هو كراهية اليهود، أو التحامل عليهم لأنهم يهود. وهنا تبدأ المشكلة. في العديد من الدول، ما يُسمّى بمعاداة السامية، ما هو إلاّ انتقاد لقمع «إسرائيل» الوحشي للشعب الفلسطيني. ووصْفُ مثل هذا الانتقاد بأنه «معادٍ للسامية» يشوّه الحقيقة ويسعى إلى صرف الأنظار عن سلوك «إسرائيل» غير الأخلاقي، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان. وكل النقاش المفبرَك حول العداء «الجديد» للسامية، لا يخدم إلاّ غرضاً واحداً هو تجريم انتقاد سلوك «إسرائيل» السياسي.
ومن الأمثلة على ذلك، موضع حركة «مقاطعة «إسرائيل» وسحب الاستثمارات منها ومعاقبتها». فاحتجاج حركة الحقوق المدنية هذه، ودعوتها إلى مقاطعة السلع «الإسرائيلية» التي تنتج في المستوطنات، يوصم بأنه «معاداة للسامية». ومثل هذا الاتهام مناف للمنطق، ولكن بعض الحكومات أقرّت بالفعل قوانين مناهضة لحركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات والمعاقبة»، تخنق حرية التعبير. وتمارس الحكومة «الإسرائيلية» واللوبي اليهودي في أنحاء العالم، ضغطاً هائلاً على الحكومات لتجريم أي انتقاد ل«إسرائيل»، بوصمه بأنه «معادٍ للسامية». وفي حقيقة الأمر، لا تريد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والمعاقبة، سوى تحرير فلسطين من الاحتلال.
وتؤدي هذه المطاردة لمنتقدي «إسرائيل» بذريعة معاداة السامية، إلى آثار غريبة. وأكثر المتأثرين، على ما يبدو، هي الولايات المتحدة، بسبب لوبي «إسرائيل» اليهودي القوي. فهو لا يمارس ضغطاً هائلاً على الكونجرس وحسب، بل على الجامعات أيضاً، بتهديدها بسحب الأموال. وفي ألمانيا، على سبيل المثال، يملك اللوبي اليهودي قبضة صارمة على الطبقة السياسية الألمانية. وسلوكها التابع، ناتج عن الهولوكوست، وقرار المستشارة انجيلا ميركل اعتبار أمن «إسرائيل» جزءاً من أسباب وجود ألمانيا.
وكان من النجاحات الكبيرة للدعاية اليهودية «المساواة بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية». فعندما سأل الصحفي «الإسرائيلي» عاموس إيلون، سفير «إسرائيل» في واشنطن، عن أهم تقدّم أحرزه هناك، قال: «نجحت في إقناع الإدارة الأمريكية بأن معاداة الصهيونية معاداة للسامية».
وفي ألمانيا، في كل أسبوع تقريباً، تقيم النخبة السياسية واليهودية الدنيا وتقعدها حول حوادث مزعومة معادية للسامية. وكانت آخر ضجة قد أثيرت بسبب تظاهرة في برلين ضد قرار دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل». وفي واقع الأمر، لا تزال القدس برمتها تعتبر منطقة محتلة وفق القانون الدولي.
وقد وُضع الحادث في إطار المعاداة للسامية، بسبب غياب المعاداة الفعلية للسامية. وسُمعت أصوات في وسائل الإعلام والطبقة السياسية، فضلاً عن المأمورين اليهود من «المجلس الألماني لليهود»، تدعو إلى وجود «وكيل للتعامل مع موضوع معاداة السامية». وأول من اقترح هذه الشخصية ليس أقل من «هيربرت برانتل»، المسؤول عن صفحة الرأي في صحيفة «سودويتشي تسايتونج».
كما دعا جوزيف شوستر، الذي يرأس المجلس الألماني لليهود، إلى وجود مثل هذا الشخص. وإلى جانب ذلك، دعا عبر الإذاعة العامة الوطنية، «دويتشلاندفونك»، في 18 يناير/ كانون الثاني 2018 إلى النظر في طرد المهاجرين بسبب «مواقفهم المعادية للسامية». وهو يريد أن يُجبَر كل شاب مسلم على زيارة معسكر اعتقال اوشفتز. ودعت شارلوت كنوبلوتش، الرئيسة الأبدية للمجتمع الديني اليهودي في ميونيخ، التي تناهز الخامسة والثمانين من العمر، وترأس هذا النادي منذ عام 1985، إلى وجود «وكيل للتعامل مع موضوع معاداة السامية».
وبعد هذه المطالب الثقيلة من قبل المسؤولين اليهود، قام ساسة بارزون بتنفيذ أوامرهم على الفور. ولا ينبغي لأحد أن يستغرب هذه الطاعة. على الفور تبنت الطبقة السياسية الألمانية المواقف اليهودية. ودعا وزير الشؤون الداخلية، توماس دي مايزيي، الحكومة الألمانية الجديدة إلى تعيين مثل هذا الوكيل. وأعلن فولكر كودر، المستشار البرلماني للمستشارة ميركل في البرلمان الألماني، أن حزب ميركل سيقدم اقتراحاً لاستحداث مثل هذه الشخصية.
.. ولعله يجدر تذكيرهم بالجملة التي قالها السفير «الإسرائيلي» السابق في المانيا، آفي بريمور، عام 2015، «ليست معاداة السامية هي التي تتزايد، بل إن التعاطف مع «إسرائيل» يتناقص».

*عالم سياسي، وصحفي ألماني.
موقع: «يوراسيا ريفيو»


Original Article

زر الذهاب إلى الأعلى