مقالات رئيس التحرير

عندما يغدو النجاح فشلاً

للإدمان أوجه عديدة، فبعض الناس مدمنون على الأطعمة غير الصحيَّة وآخرون على شرب السجائر أو غير ذلك من العادات السلبية التي تدمّر صحة الإنسان الجسمانية أو العقلية أم النفسية، ولا يقلُّ عنهم إدمان أولئك الأشخاص الذين يمكننا أن نصفهم بأنهم “مدمنون على النجاح”، تراهم يعملون بلا توقف ليل نهار واضعين نصب أعينهم تحقيق إنجازات عظيمة لم يسبقهم إليها أحد، ويقدّمون من أجل غايتهم تلك كل ما يملكونه من وقت وجهد.

إن هذا الشغف الذي يدفعهم لمواصلة العمل مهما كانت التحديات التي تواجههم والعقبات التي تعترض طريقهم ليس عيباً بل هو سمة نادرة في البشر، فليس في الناس كثيرون ممَّن هم على استعداد للكفاح والتضحية وصولاً إلى الهدف المنشود، لكن عندما يزيد هذا الشغف عن حدّه فيستحوذ على فكر صاحبه وقلبه ويصبح بلا شك وبالاً عليه، لان هذا التركيز يكون في اتجاه واحد محدود يصرفه عن أمور حياتهية اخرى لا يستطيع ان يتمتع بها وربما نسي اولاده واهله وحياته.

صحيح أن العالم يذخر بقصص كثيرة لأشخاص وصلوا إلى أعلى المناصب وحقَّقوا ثروات فلكية، غير أن كثيراً منهم فشلوا فشلاً ذريعاً على جميع الأصعدة الأخرى؛ فشلوا في بناء أسرة سعيدة متحابَّة واستنزفوا في سبيل أهدافهم صحتهم الجسدية وخسروا أعزَّ أصدقائهم لأنهم لم يكن لهم شاغل في الدنيا سوى ذواتهم والسعي لتحقيق أهدافهم دون أن يتوقَّفوا حتى ليستمتعوا بنجاحاتهم ويشاركوا أحبَّتهم أجمل لحظاتهم.

فهل يستحق مثل هذا النجاح كل هذه النتائج السلبية، ألا يجدر بالواحد منَّا أن يتأمَّل قليلاً فيما إذا كانت تلك هي الحياة التي يريد أن يحياها، وهل النجاح الحقيقي أن تكون عبداً لأحلامك وأسيراً لطموحاتك الشخصية، لا ترى في الوجود شيئاً سواها؟!

كم هو الجميل أن نطمح للنجاح ونسعى إليه بكل ما أوتينا من عزم وقوة، ولكن أن نجعل من أنفسنا أدوات له فتلك هي العبودية والفشل الذريع، وكما يقول المثل العربي: «إذا زاد الشيء عن حدّه انقلب ضده»، فما أحلى نجاحاً نشاركه كل من نحبُّ؛ نجاحاً صحيَّاً ومادياً وأسرياً وفي جميع جوانب حياتنا، فالحياة ليست مجرد أوراق نقدية ومناصب مرموقة وزخارف مادية ونجاحات شخصية لا تنتهي، بل هي أعمق من ذلك بكثير، فالوسطية هدف يعتدل فيه كل شيء، فلا تمد يدك الى عنقك ولا تبسطها كل البسط، وفي النهاية قرأت مقولة اعجبتني جدا ووضعتها امامي في كل شي وهي ” وانت في طريقك للحياة لا تنسى ان تعيش”.

محمد القبيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى