مقالات اجتماعية

هجرة القيم


د.خالد الحضرمي

قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، سؤال مهم عن ماهية المقصود بهجرة القيم؟، و هل هجرَتنا القيم أم نحن من هجر القيم، في ظل متغيرات و متقلبات الحياة المتسارعة. فقد ذهب فريق من الناس بأن القيم هي من هجرتنا في ظل عدم تقبلنا لها و التي تعلمناها و إكتسبناها قديماً، و الفريق الآخر من الناس يرى بأننا نحن من هجرنا القيم لعدم قناعتنا الآن بأنها تتماشى مع التحولات التي حدثت في العالم. و لكن قبل الخوض في غمار هذا الموضوع، من المناسب أن نوضح مفهوم القيم و أنواعها و مدى تأثيرها على الإنسان و مجتمعه الذي يعيش فيه. فالقيم عبارة عن مجموعة من السلوكيات و المبادئ و الأخلاقيات و المعتقدات التي تربى عليها الفرد منذ الصغر، و التي يمارسها بإستمرار في حياته اليومية.

و تعد القيم عنصرا مهماً من عناصر الثقاقة الإجتماعية و من خلالها يستطيع الفرد التعبير عن نفسه، فهناك ضوابط و مبادئ لسلوكيات الأفراد يتصرفون وفقها و يضبطون تصرفاتهم و أفعالهم على أساسها. و لابد من الإقرار بأن للقيم أهمية عظمى تكمن في بناء مجتمع حضاري راق و متقدم. و من أهم أنواع القيم هي القيم الإجتماعية، و هي تلك العادات التي إكتسبها الفرد من مجتمعه و أثرت به و تأثر بها، و أصبحت جزءاً من شخصيته و أصبح يتصرف وفقها مع الآخرين. و النوع الثاني هي القيم الأخلاقية و هي عبارة عن مجموعة من الصفات الحسنة كالصدق و الأمانة و الوفاء و العدل و الرحمة و الإحسان و الشجاعة، و هي صفات إكتسبها الفرد من خلال أسرته و بيئته و صحبته الصالحة. و النوع الآخر من هذه القيم هي القيم الدينية، و هي التي فُطر عليها الفرد منذ خلقه و التي إكتسبها أيضا من خلال أسرته و مدرسته و المسجد، و من خلال هذه القيم يستطيع الفرد أن يفرق بين الخير و الشر.

و هناك قيم أخرى كالقيم الجمالية و التي من خلالها يستطيع الفرد تذوق جمالية الحياة و تعلم الذوق العام و أخيرا، القيم الشخصية التي يتأثر بها الفرد من خلال ما حوله من السلوكيات التي تبني شخصيته، و يكون للأسرة دور أساسي في تحديد ميول الفرد و توجهاته ومن ثم يأتي دور الرفاق و المدرسة و المجتمع. و للقيم سمات و خصائص متعددة و متنوعة تتسم بها،فمنها ما هو مرتبط بنفسية الفرد، و منها ما هو ثابت و متغير و منها ما هو مكتسب أو وراثي. (الشيخ/ يحيي بن معاذ رحمه الله يقول: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة، إن لم تنفعه لا تضره، و إن لم تفرحه لا تغمه، و إن لم تمدحه لا تذمه). و سؤال حالنا اليوم هو أين نحن من هذه المقوله، هل نطبق هذه الصفات و السلوكيات مع الآخرين؟. أصبح البعض منا يطلق عنان لسانه ليدخل في نوايا الآخرين و يحلل و يفسر و يجتهد في تحليلاته ليشبع رغباته.

و لنسأل أنفسنا كم منا شعر بشعور الغربة و هو في محيطه المعتاد؟، كم منا سأل نفسه و قارن بين ما كانا عليه و بين ما نحن عليه الآن؟، سمعنا عن هجرة الأوطان لكسب عيش أو علاج أو …، لكن لم نكن نتوقع أن نسمع عن هجرة القيم عن الجسد فبات الجسد وحيدا دون قيم، و صار الواحد منا لا يفهم ما يجري حوله و ماذا جرى للناس، و صرنا نتساءل ماذا حدث ما الذي تغير؟، و لماذا هجرنا القيم التي تربينا عليها؟، أم أن القيم هجرتنا لأنها لم تجد البيئة الطبيعية التي إعتادت عليها، فتارة نرى الحقد و تارة نرى الكذب وتارة نرى النفاق،و تارة نرى قطيعة الرحم و تارة نرى التنافس الغير الشريف في الوظيفة!…الخ

يقول الكاتب R.S.Naagarazan في كتابه Professional Ethiecs and Human Values، بأن الفرد قد يرى عدة إتجاهات في السلوك العام في المجتمع مما يجعله في حيرة من أمره مع أي سلوك يذهب سواءا أكان هذا السلوك حميدا أم غير حميد، و هو للأسف هذا حال البعض منا اليوم، فقد هجرنا القيم الحميده أو هي من هجرتنا فا الأمر سيًان، و لعب التواصل الإجتماعي دورا كبيرا في هذه الهجرة وفضحت سلوكنا العام، فالخطر الذي نخشاه هو هجرة هذه القيم دون عودة، و بذلك يصبح المجتمع متفككا أخلاقيا و تسقط المبادئ في وحل الظلام الدامس، فهجرة الجسد أمرها هين على إعتبار أنها سوف تعود إلى الديار يوما ما، و لكن إن رحلت القيم فهجرتها عادة تكون من غير عودة. فالقيم عامل رئيس في تاريخ حضارة الأمم و الشعوب، و رمز من رموز التعايش السلمي، من أجل تعزيز الإستقرار على إختلاف سبله حيث تؤدي سماتها إلى مراتب النجاح على المستوى الفردي و الجماعي، و الإزدهار على المستوى الإجتماعي. و لعل من الضروري أن نعود للأصالة في تطبيق هذه القيم، وفق منظومة التربية الأسرية، و التربية التعليمية، و الوسائل الإعلامية على إختلاف ضروبها، و خاصة الإعلام الإلكتروني الذي غزا بيوتنا و دخل في أوصال فكرنا و عاداتنا و سلوكنا الإجتماعي.



‫2 تعليقات

  1. جزاك الله خير على هذا المنشور الجميل … ولكن يا دكتور للاسف الشديد القيم أصبحت انستقرام والعادات أصبحت يوتيوب والتقاليد أصبحت تويتر … فلو قمنا بتقييم وسائل التواصل بالشكل الصحيح فهي اساس هذا التغير الجذري في عوائلنا … نحن لا نطمح أن نرجع لأصالة الماضي بل نطمح بأن نرجع على طبيعتنا… وشكرا

  2. وهذا طموحنا الذي ذكرته في تعليقي السابق للأسف الشديد .. لما واجهتنا من أعاصير الانتقادات والردع عند التحدث في اصالة الماضي .. واكرر ما قلته أطمح بأن ارجع على طبيعتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق