الصين في السبعين

الصين في السبعين
«الشيبوبة» هي أحد أهم أسباب نجاح شركة صناعة تكنولوجيا الاتصالات «هواوي». يذكر ذلك كتاب «قصة هواوي» الذي يفرد فصلاً عنوانه «الشيبوبة» يذكر فيه كيف أسّس الشركة «رين شنغفي»، وهو مهندس عسكري كهل أشيب سُرّح من الجيش في سن الـ44، مع بداية الإصلاحات الاقتصادية في الصين، وتقليص عدد القوات المسلحة، وكان عليه، وثلاثة شركاء كهول مثله، تحقيق النجاح بأسرع وقت ممكن. وقد أفلحوا خلال أقل من ربع قرن في أن يجعلوا «هواوي» واحدة من أكبر ثلاث شركات تكنولوجيا الاتصالات في العالم. كذلك هي الصين في شيبوبة عمر السبعين. فعندما أسّس الحزب الشيوعي عام 1949 «جمهورية الصين الشعبية»، كانت الصين فقيرة جداً، ودون شركاء تجاريين، وبلا علاقات دبلوماسية واسعة، وكانت تعتمد كلياً على الاكتفاء الذاتي. وفي عام 1978 تجاوز حجم صادرات الصين 10 مليارات دولار، وتجاوزت الآن أربعة تريليونات دولار، وأصبحت أكبر دولة مصدرة للسلع في العالم، وانتشلت من خلال سلسلة الإصلاحات الاقتصادية 850 مليون شخص من دائرة الفقر، وتتوقع القضاء على الفقر كليةً العام المقبل.
ويعتير «ديفيد مان»، الاقتصادي في «بنك ستاندارد تشارتر»، مسيرة 70 عاماً في الصين «أكبر المعجزات الاقتصادية في التاريخ»، وحتى إذا تحققت الشكوك في تباطؤ النمو الاقتصادي للصين إلى 5 أو 6 في المئة بسبب الحرب التجارية مع أميركا، وتزايُد أعداد كبار السن، فإن الصين في تقديره ستظل «أقوى محرك للنمو الاقتصادي العالمي.. فالحكومة الصينية تحاول منذ عدة سنوات تحويل نمو اقتصادها من الاعتماد على الصادرات إلى الاعتماد المتزايد على الاستهلاك المحلي. وبهذه الوتيرة، ستظل الصين تسهم بـ35 في المئة من النمو الاقتصادي العالمي، أي أكبر مساهمة من أي دولة أخرى، وأهميتها للنمو العالمي تبلغ ثلاثة أضعاف أهمية الولايات المتحدة».
وتفتتح الصين جامعة جديدة كل أسبوع تقريباً، وتتخطى الولايات المتحدة التي يشكل خريجوها ثلث خريجي الجامعات في العالم، لكن خلال عشر سنوات القادمة سيكون عدد خريجي الجامعات الصينية عشرة أضعاف خريجي الجامعات الأوروبية والأميركية مجتمعة. والزيادة ليست كمية بحتة بل نوعية أيضاً. فجامعات النخبة الصينية العشر أنتجت خلال خمس سنوات الأخيرة أكثر من 428 ألف ورقة بحث، فيما أنتجت نخبة جامعات الولايات المتحدة العشر 444 ألف ورقة، وهذا يعني أن الفرق أقل من 16 ألفاً، وهو فرق يتقلص باستمرار. وأعطت وزارة التعليم الصينية الضوء الأخضر للجامعات لمنح شهادات في «الذكاء الاصطناعي». ويسد هذا النقص العالمي في عدد المختصين بهذا الفرع، الذي يدخل حالياً في مهن ومجالات كثيرة. وتدهش العالم إبداعات الصين في العلوم والتكنولوجيا، ومن بينها قطار فائق السرعة، عجلاته مطاطية لا يسير على سكة حديد، بل سكة افتراضية. ومع أن الصين لم تدخل المحيط القطبي إلاّ مؤخراً، فقد صنعت كسّارات جليد لاستخراج النفط والغاز من عمق كيلومتر واحد.
ويخيب ظن من ينظر إلى انتصارات الصين بالأسود والأبيض. فالشيبوبة الرمادية التي يفرد لها كتاب «هواوي» فصلاً خاصاً، ترى العالم رمادياً، تتعادل فيه الديمقراطية والسلطة، حيث الديمقراطية تستخدم الحيوية والإبداع والسلطة تعني النظام. ويقتبس الكتاب من خطب وكتابات مؤسس «هواوي»، الزاخرة كما يبدو بالتناقضات، «لكنها متلائمة في الأساس، ومفتاح فهمها يكمن في الظروف الواقعية. وعلى سبيل المثال، ينبغي أن يكون تموضعها الاستراتيجي واضحاً ومحدداً، كي تكون لجميع خطوطها الأمامية، ومحاربي خطوطها الخلفية، أهداف واضحة، لكن مع تغير الظروف ينبغي أن يتغير التموضع الاستراتيجي». ونعثر على جذور تعقيد فلسفة «هواوي» لدى الحكيم الصيني «لاوتزو»، مؤلف الفلسفة الطاوية في القرن السادس قبل الميلاد، والذي يقول: «كلمات الحقيقة متناقضة دائماً»، و«الكلمات الصادقة ليست جميلة، والكلمات الجميلة ليست صادقة، والكلمات الجيدة ليست مقنعة، والكلمات المقنعة ليست جيدة».

مقالات اخرى

Leave a Reply