مقالات رئيس التحرير

منجل التفويض المفرط

محمد سعيد القبيسي

لطالما سمعنا بمصطلح «التفويض»، الذي يعني منح طرف آخر صلاحيات التصرف في بعض الأعمال خلال فترة معينة مع استمرار المسؤولية على الشخص المفوض، متمثلة في مراقبة الأداء والتوجيه الصحيح، مما يؤدي إلى تحقيق نتائج أكبر.

لكن عندما يتحول تفويض مهام محددة إلى تفويض شبه شامل، بحيث يتخلى المدير عن كثير من الصلاحيات والمسؤوليات الملقاة على عاتقه من خلال توكيل موظف بتلك المسؤوليات، فعندها نحن أمام مشكلة حقيقية، تتجلى في حدوث العديد من الأخطاء، وتراجع الإنتاجية، وغير ذلك من مشكلات لا تحمد عقباها.

إن لكل موظف دوراً يقوم به بناء على خبراته ومهاراته، فكيف لمشروع أو عمل أن ينجح عندما يقوم رأس الهرم بتفويض جميع مهامه تقريباً إلى موظف أو مجموعة موظفين، بدافع من التكاسل وإلقاء الحمل على الغير، بدلاً من تحمل المسؤولية؟!

يقول المثل الشعبي الدارج: «أعطِ الخباز خبزه ولو أكل نصه»؛ بمعنى إعطاء العمل المناسب للشخص المناسب صاحب الخبرة حتى لو أضاع نصفه. فمن هنا يجب احترام التخصصات، وعدم تحميل موظف مسؤولية القيام بأمر لا خبرة له فيه؛ لأن ذلك سيؤدي حتماً إلى كوارث على المدى الطويل. فكم من شركة أعلنت إفلاسها بسبب خطأ فادح ارتكبه شخص غير مؤهل أوكلت إليه مهمة معينة عنوة من قبل رؤسائه في العمل، عوضاً عن تحملهم لمسؤولياتهم والقيام بما يترتب عليهم من واجبات!.
هذا يعني أن التفويض الذي من المفترض أن يسفر عن نتائج إيجابية رائعة، يمكن أن ينقلب إلى نقطة ضعف تؤدي إلى سلسلة من الأحداث السلبية التي تقود إلى الفشل، فأي شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده، كما يقول المثل.
قليل من التفويض ضروري لاستمرار التقدم، وتحقيق الإنجازات بسرعة أكبر، وحتى تعزيز الإنتاجية بشكل عام. لكن لو استخدمنا التفويض بشكل مفرط فإنه سيقودنا إلى الفشل الذريع لا محالة.
فإذا أردت بوصفك مديراً أن تفوّض موظفاً أو موظفين، فاحرص على تفويض بعض المهام بما يتناسب مع قدرات ومؤهلات من تفوضه، وبحيث لا تبدو كمن يتنصل من مهامه؛ لأنك في النهاية قدوة ومثل يحتذى به في جميع تصرفاتك.
اعكس حسّاً عالياً بالمسؤولية، واجعل كل العاملين تحت إشرافك يتعلمون منك حب العمل، وإنجاز المهام المنوطة بهم بأنفسهم لا بتفويضها إلى الغير. ولا يكون ذلك إلا بقيامك بواجباتك على أتم وجه، مع الاستفادة من تفويض بعض المهام للآخرين، لدفعهم قدماً وتطوير إمكانياتهم، وتخفيف العبء عليك في بعض الجوانب، كي تلتفت إلى أكثر الأمور أهمية، فتصب تركيزك في المكان المناسب بغية تحقيق أقصى إنتاجية وتقدم في سير العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى