قضايا ودراسات

رئيس من ذهب

صادق ناشر

قليلون هم الزعماء الذين يتركون أثراً طيباً لدى شعوبهم، أثراً تبقى تتذكره به قبل وفاته وبعده، وهو ما حصل مع النموذج الذي قدمه الرئيس السوداني الأسبق عبدالرحمن سوار الذهب، الذي يمكن وصفه بأنه بالفعل «اسم على مسمى»، فهو رئيس من ذهب، وجاء رحيله قبل أيام ليؤكد أن معدن هذا الرجل لا يتكرر إلا نادراً، خاصة وأن ما أقدم عليه من خطوة نبيلة، تمثلت في ترك السلطة لحكومة منتخبة، لم يفعلها إلا النزر اليسير من الحكام، خاصة في المنطقة العربية، من بينهم الرئيس اليمني الأسبق القاضي عبدالرحمن الإرياني، الذي ترك السلطة طواعية وغادرها منفياً إلى دمشق مفضلاً الانسحاب من السلطة عام 1974 وتسليمها للضابط إبراهيم الحمدي من دون إراقة نقطة دم واحدة.
الفرق بين الذهب والإرياني أن الأول كان عسكرياً، والثاني ينتمي إلى المؤسسة القضائية، وشهوة التشبث بالسلطة تبدو للعسكري أكثر إغراء من المدني، ولهذا تبدو قيمة الخطوة التي أقدم عليها سوار الذهب أكبر وذات بعد إنساني أوسع، وإن كانت لا تغمط الإرياني حقه، إذ إن ما أقدم عليه جنب اليمن حينها حمام دم، فيما لو كان أصر على موقفه وقرر خوض صراع مع العسكر.
مواقف الرئيس السوداني الأسبق عبدالرحمن سوار الذهب كثيرة، فهو من القلائل الذين رفضوا الانصياع لخيار الانقلابات، وله مواقف مشهودة في هذا المجال، منها رفضه تسليم حامية مدينة الأبيض العسكرية عندما كان قائداً للحامية عند انقلاب الرائد هاشم العطا عام 1971، حتى استعاد الرئيس الشرعي حينها جعفر نميري مقاليد الحكومة بعد ثلاثة أيام، وأعدم الضباط القائمين على الانقلاب.
أكبر المواقف التي تؤرخ في سجل وسيرة الذهب، هو ذلك الذي اتخذه عقب إطاحة حكم نميري، فقد تولى رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وتعهد حينها بأن يتخلى عن السلطة خلال عام واحد لحكومة منتخبة، وهو وعد وفى به في موعده، حيث قام بتسليم السلطة للحكومة الجديدة المنتخبة برئاسة رئيس الوزراء الصادق المهدي في شهر مايو/ أيار من عام 1985.
موقف الذهب لم يتكرر في تاريخ السودان وفي بلاد عربية أخرى كثيرة، إذ إن الصراع على السلطة حصد عشرات الآلاف من الأبرياء، وكانت الاحتجاجات التي عصفت بالعالم العربي عام 2011 دليلاً على ذلك، فقد تمسك رؤساء بحكمهم، رافضين فكرة التنحي عن الحكم، أو حتى تقديم تنازلات للشعب، وفضلوا المضي في خيار القوة.
في أحداث الربيع العربي لم تظهر نسخة من سوار الذهب، فالرجل الذي وصفه كثيرون باعتباره «الزاهد في السلطة» اختار طريقاً آخر لا يعرف الدم، طريقاً خدم فيه الملايين من أبناء الأمتين العربية والإسلامية عبر منظمة الدعوة الإسلامية، وهو بذلك ترك إرثاً من الوفاء سيسجله التاريخ بأحرف من ذهب.

Sadeqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى