قضايا ودراسات

المعرفة والسلطة

حسام ميرو

في صلب الأزمات الحاضرة عربياً، تكمن واحدة من أخطر الإشكاليات، التي تحتاج إلى تفكيك، من أجل كسر حالة الفوات التاريخي، وتلك الإشكالية تتمثل في العلاقة بين المعرفة والسلطة، خصوصاً أن مشروع التنوير الذي بدأ منذ ما يقارب مئة عام لم يستكمل طريقه، بفعل هيمنة سلطات متعددة، في مقدمتها السلطات السياسية التي أخذت على عاتقها مهمة بناء الدولة الوطنية، والتي مارست هيمنة ممنهجة على إنتاج المعرفة، بما يتماشى من جهة مع وعيها الأيديولوجي، وبما يتماشى مع مصالحها من جهة أخرى.
قد يكون الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو من أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين اشتغلوا على تفكيك العلاقة بين المعرفة والسلطة، وقد افترض فوكو أن إحدى مهام المعرفة هي مساءلة السلطة، والتي تعني «العمل على تحديد السلطة، من خلال كشف آلياتها وآثارها وعلاقاتها بمختلف جاهزيات السلطة المُمارسة»، وفي هذا التوجه لفوكو نزوع إلى جعل المعرفة، والفلسفة، على وجه الخصوص، مرتبطة بالحاضر، وليست مجرد تعالٍ في الفضاء المجرد.
السلطة في وعي فوكو عموماً، وفي وعي الفلاسفة المعاصرين، بقيت أسيرة النموذج الغربي/ الليبرالي، حيث يشكل اقتصاد السوق مرجعية السلطة، وبالتالي فإن مساءلة السلطة عبر المعرفة، تغدو، بشكلٍ من الأشكال، مساءلة لاقتصاد السوق، وما ينتجه من قيم مرتبطة به، وبآلياته، وبمصالح الفئات المسيطرة على توجهاته.
في السياق العربي، لم تتشكّل السلطة، منذ الانتدابات، في خضم السوق الاقتصادية، وإنما، اكتسبت القدر الأكبر من شرعيتها من خلال النظام الدولي، ومن الاستقطابات التي سادت فيه، ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبناءً عليه، فإن السلطة في بعض دول العالم العربي كانت، من حيث المبدأ والمصلحة، على تناقض مع اقتصاد السوق الحر، وبالتالي، فقد كانت مصلحتها، ولضرورات وجودية، إعاقة اقتصاد السوق، وما ينتجه من مؤسسات وآليات، ومنها المؤسسات الأكاديمية، التي يفترض أنها تقوم بدور رئيسي في إنتاج المعرفة.
ولضرورات الهيمنة على المجتمع، فإن السلطة في بعض الدول العربية، ونتيجة آليات وجودها، هيمنت على الفضاء المعرفي، وثمة مؤشر مهم وواضح يؤكد حالة الشرخ بين المعرفة والسلطة، وهو مؤشر قابل للقياس، يتمثل في المسافة الفاصلة بين المؤسسات الأكاديمية وبين المجتمع، فقد تحوّلت الأكاديميات إلى مؤسسات لتفريخ الخريجين، وغابت عنها الروح الحرّة، التي يمكن أن تخلق تأثيراً في البنى المجتمعية، أو تتفاعل مع مؤسسات المجتمع المدني.
مارس عقل السلطة إقصاءً لكل ما هو متناقض معه، وفي هذا السياق، فإن عقل السلطة نفسه لم يعد معرفياً، وفقد عناصر العقلانية، التي يمكن أن تقرأ التحوّلات السياسية والاقتصادية، أو تتعرّف إلى الحاجات المستجدة في الواقع، واقع الفئات والشرائح الاجتماعية.
تفكيك العلاقة بين المعرفة والسلطة، في سياق الحاجة للتقدم في العالم العربي، تصبح مهمة تاريخية، فعملية عقلنة السلطة، وبناء شرعيتها انطلاقاً من حاجات الواقع نفسه، هي في الوقت نفسه عقلنة للمعرفة، وإخضاعها، أي إخضاع المعرفة، للنقد، من مناهج وأدوات وشروط، فلا تبقى المعرفة متعالية، في ثوب التاريخ والعقائد والأيديولوجيات، وإعادتها للعالم الواقعي، الذي يضع الإنسان منطلقاً وغاية له.
تفكيك المعرفة كهدف مستقل، هو مسألة أيضاً في غاية الأهمية لتجاوز الفوات التاريخي، فمع وصول مشروع النهضة العربي إلى أفق مسدود، تحوّلت المعرفة إلى سلطة، إلى دائرة مغلقة، لا يأتيها الباطل لا من أمام ولا من وراء، وكل معرفة بهذا المعنى هي أسّ التطرف، بكل أشكاله، تطرف السلطة، وتطرف الجماعات، وتطرف الأفراد، ففي مجتمعات لا تخضع فيها المعرفة للنسبية، تتحوّل إلى مصدر للعنف والعنف المضاد، وهو ما ينتشر اليوم على امتداد جزء كبير من الجغرافيا العربية.

husammiro@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى