قضايا ودراسات

ترامب في ميزان التجديد النصفي

كمال بالهادي

يواجه الرئيس الأمريكي أول استحقاق انتخابي في نوفمبر القادم، وذلك بمناسبة انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونجرس، وسيكون ترامب أمام امتحان حقيقي حول سياساته الداخلية والخارجية، في وقت يتربّص فيه الديمقراطيون ممنين الأنفس، بتحقيق انتصار يقلب موازين القوى داخل البيت التشريعي، غير أنّ الرئيس «القاطن» في موقع تويتر، لا يرى غير الانتصار في معركته القادمة..بسلسلة تغريدات على مدار الساعة، يتابع الرئيس الأمريكي المناظرات التلفزيونية التي يخوضها مرشحو الحزب الجمهوري، ضدّ منافسيهم من الديمقراطيين، ويعلن بكل فخر عن «الانتصارات الساحقة» التي يلحقها مرشحو حزبه أمام منافسيهم. وبين هذه التغريدة الانتخابية وأخرى، ينشر ترامب شذرات عن إنجازاته خلال السنتين اللتين قضاهما في البيت الأبيض. ولايفوّت ترامب الفرصة لاستغلال قضية المهاجرين، وهي إحدى مفاتيح نجاحه في الانتخابات الرئاسية، حيث أشار في إحدى تغريداته إلى «إنّ من يطلبون الدخول إلى الولايات المتحدة، عليهم أن يقدموا طلبات لجوء في المكسيك أولاً، ومن
لايقوم بهذه الإجراءات سيقع طرده من بلادنا». ولا يكتفي بهذه التغريدات بل إنه، ينشر كل تفاصيل الحملة الانتخابية وزياراته إلى الولايات التي تشهد احتدام المنافسة لدعم هذا المرشح الجمهوري أو ذاك.
ومثل هذه التغريدات تعكس أن ترامب ينزل بكل ثقله في امتحان يدرك أنه ليس من السهل الفوز فيه، ويعني أيضاً أن ترامب يسعى إلى السيطرة على الكونجرس، ليكمل ولايته دون مشاكل، كما أنه يريد أن يقنع الأمريكيين أنه لم يأت صدفة إلى البيت الأبيض، وأن الفوز في انتخابات التجديد النصفي سيعني منطقياً حفاظه على منصب الرئيس في ولاية ثانية بعد عامين من الآن.
قد يستغل ترامب في حملته هذه، بعض الأرقام الاقتصادية التي تثبت تحسن وضعية الاقتصاد الكلي الأمريكي في مواجهة الاقتصادات المنافسة، ويمكن أن يرتكز على تحسن معظم المؤشرات الاقتصادية التي خلقت وظائف جديدة، والتي جعلت الدولار يستعيد عافيته في ظرف وجيز.
الديمقراطيون الذين يسيطرون على معظم وسائل الإعلام الأمريكية،
ويسيطرون على مراكز استطلاعات الرأي، يقولون إن ترامب لم ينجز
ما وعد به، بل إنه يساهم في عزلة أمريكا خطوة فخطوة. وهم يوظفون ملفات السياسة الخارجية في مسعى الحدّ من امتدادات ترامب أو «الترامبية» حتى لا تصبح تقليداً سياسياً.
الديمقراطيون يقولون إن ترامب كسر كل قواعد الدبلوماسية الأمريكية في علاقات واشنطن ببقية دول العالم أو بالتكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى. فواشنطن باتت تمثل بالنسبة للأوروبيين حليفاً غير موثوق به داخل الناتو بما أنّها باتت تذلّ حلفاءها التقليديين، بمسألة تمويل الحلف.
وإضافة إلى ذلك فإن واشنطن تصطف بطريقة مفضوحة مع بريطانيا ضد بروكسيل، وهو ما يجعل قوى مثل فرنسا وألمانيا ترى في هذا الاصطفاف تعدّياً على الوحدة الأوروبية وتهديداً لمصالحها. ويعتقد الديمقراطيون أن ترامب يفسد كل علاقات بلادهم الخارجية، ويضع البلاد في موقف محرج، خاصة في ظل تعاظم الخلافات بين واشنطن وبكين في الملفات الاقتصادية.
كل هذه القضايا، يراها معسكر ترامب، نقاطاً إيجابية. حيث تم فتح ملفات عجزت عن فتحها الإدارات السابقة مثل ملف كوريا الشمالية، ويرى وزير الخارجية الأمريكية أنه تم إحراز تقدم كبير في هذا الملف، وأن نهاية الطريق الطويلة لن تكون بعيدة بعد لقاء ترامب وكيم. وتعتبر إدارة ترامب أن سياسة «الصفقات» تجدي نفعاً كبيراً، وتدر على خزائن البيت الأبيض، أموالاً طائلة، ساهمت في دعم الاقتصاد الأمريكي، وفي خلق فرص عمل للأمريكيين. أما سياسة العصا المعتمدة في حل الملفات الاقتصادية الشائكة مع الصين ومع أوروبا، فإنّ ترامب يعتبر أنها ناجعة لأنها جعلت أمريكا تستعيد الكثير من الأموال المهدورة، وتعيد ترتيب اتفاقيات يعتبرها ترامب مضرة بمصالح الولايات المتحدة.
الانتخابات القريبة، لن تشكل مجرد تجديد نصفي لأعضاء الكونجرس، بل إنها تشكّل تفويضاً شاملاً لترامب في رسم سياسات الداخل، والأكثر من ذلك تشكل تفويضاً مطلقاً، لإدارته لمعالجة ملفات السياسة الخارجية بمنطق ترامبي محض.

belhedi18@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى