قضايا ودراسات

أية وحدة تريد؟

نور المحمود

هناك من يختار أن يعيش الوحدة كي يعيد اكتشاف ذاته، فيبدأ بقراءة دفاتره، صفحات حياته، وأوراقه التي تناثرت على دروب العمر. لا يشعر بالوحدة، ففي عالمه حكايات وأشخاص وجيران وأصدقاء ووجوه يذكر ملامحها وتغيب عنه أسماؤها، وأسماء تحضر رغم حرصه على نسيانها.
الوحدة ليست وحشاً ولا سجناً يقف على بابه جلاّد. كلنا نتمناها أحياناً، وننشدها غالباً، ونهرب إليها كلما أرهقنا الضجيج واللهاث خلف تفاصيل اليوميات. في الكتابة أنت وحيد، وفي القراءة والتفكير والتأليف والإبداع وتحقيق النجاح واتخاذ القرار.. في كل إنجاز تجد الوحدة حاضرة، رفيقتك وشريكتك في التقدم.
في الوحدة تعري نفسك ولا تتعرى من أخلاقك ووجدانك ومشاعرك. تكون نبيلاً، صادقاً، شفافاً. تخلع ثوب المواجهة مع الآخرين لتصير أنت فقط. قد لا تحب أن يروك هكذا، رقيقاً، حساساً، ضعيفاً، متأثراً، منفعلاً، ساخراً، وأحياناً لامبالياً.. أما في وحدتك فأنت ونفسك في مواجهة صامتة، يكثر فيها الكلام وتّغلق أبواب الفم كي لا يسمعك الصدى فينقل الأخبار للجدران ومنها إلى كل الآذان.
«تعلّم اليوغا» يقولون لك وتلاحقك المنشورات الترويجية والعروض المغرية، فاليوغا موضة العصر، أعادوا اكتشافها تجارياً لجذب الزبائن إلى صالات الرياضة وما أكثرها. وكأن اليوغا ليست مدخلاً إلى جلسات التأمل والصفاء الذهني، وهي الوحدة بحد ذاتها، إنما مقدمة بقوالب مختلفة تساعدك على الانفصال عن حاضرك وهمومك؛ مثل الأجواء الحالمة، والشموع، والإضاءة الخافتة، والموسيقى الكلاسيكية الهادئة، والتحكم بالأفكار لخلق نوع من الفراغ الذهني، لتصفو الروح وتطمئن النفس.
الوحدة عزلة؟ أنت تحتاجها لتولد من جديد. روحك تنشدها بين الحين والآخر لتعيدك إلى ذاتك لا لتغرقك في ظلام. إنها العزلة الإيجابية، فكل مبتكر ومبدع عاش وحدته وعزلته قبل أن تخرج ابتكاراته إلى النور وتتجسد أمام عيون الناس. ليس شرطاً أن تكون شاعراً أو كاتباً أو أديباً كي تنشد الوحدة، ففي داخل كل منا «مفكّر» ومجتهد يبحث عن التطوير والإبداع، ولا بد أن يسلك طريق الوحدة كي يصل إلى التميز والنجاح على طريقته وبأسلوبه الخاص.
أية وحدة تريد؟ لك أن تختار، فحتى الصمت له أبواب تؤدي إلى الظلام، والسوداوية قادرة على إغراقك في كآبة قاتلة، تتشوه فيها ذاتك وتشوه صور الحياة لتراها حزينة ظالمة باستمرار. وأبواب تشع منها حقائق تدفعك للنهوض من جديد، وتمنحك القدرة على إشعال مصابيح الجمال، فتخرج مشعاً بأنوار الأمل، سعيداً بذاتك، ملهماً للآخرين.

noorlmahmoud17@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى